القَصص القرآني: خريطة هدى في مواجهة طواغيت العصر

بقلم/عبدالمؤمن محمد جحاف
في ثاني المحاضرات الرمضانية، قدّم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي “رعاه الله” قراءة قرآنية عميقة في رؤية القصص القرآني، مؤكّـدًا أن مصدره هو الله سبحانه وتعالى، العليم بخفايا النفوس، المطلع على الدوافع والأسباب النفسية التي قد تخفى حتى على أصحابها.
ومن هنا تأتي ميزة القصص القرآني الكبرى: أنه ليس مُجَـرّد سرد تاريخي، بل هداية ربانية خالصة من كُـلّ زيف أَو خرافة أَو تحريف.
القصص القرآني.. حق خالص وهداية عملية
بدأ السيد القائد من الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ…﴾؛ ليؤكّـد أن القرآن لا يقدّم أحداثًا للتسلية أَو الحكاية، بل يركّز على مواطن العبرة، ويقدّم تفصيلًا لما تحتاجه الأُمَّــة في واقعها، ضمن إطار الهداية والرحمة.
فالفرق الجوهري بين القصص القرآني وبين ما ينقله البشر من تواريخ وروايات، أن النقل البشري كَثيرًا ما يشوبه التشويش والخلط والتحريف، أما ما يقدمه الله فهو “حق خالص” في مضمونه، وهادف في طريقته.
ومن أعظم ثماره أنه يعرّفنا بالله سبحانه وتعالى: بأسمائه، بسننه، بعدله، برحمته، وبحكمته في تدبير شؤون خلقه.
ولهذا خُصَّ بالانتفاع به “أولو الألباب”؛ أي أصحاب العقول الواعية.
قصة نبي الله موسى.. النموذج الحاضر في واقع الأُمَّــة
توقّف السيد القائد مبينًا عند قصة نبي الله موسى عليه السلام؛ باعتبَارها من أكثر القصص حضورًا في القرآن الكريم، ومن أشدها ارتباطًا بواقع الأُمَّــة اليوم: موسى عليه السلام: يمثّل نموذج رحمة الله بعباده، والنبي الذي جسّد القيم في تحمل المسؤولية ومقارعة الطغيان.
فرعون: يقف كنموذج للطغيان المتجبر، الذي وظّف كُـلّ إمْكَانات دولته – السياسية والعسكرية والاقتصادية – في الاستكبار، حتى قال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأعلى﴾.
لم يكن طغيان فرعون مُجَـرّد انحراف شخصي، بل كان نهج دولة قائمًا على التفريق بين المجتمع، وصناعة الانقسامات، واستضعاف فئة بعينها: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأرض وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ…﴾.
سياسة “فرّق تسد”، كانت أدوات حكم مدفوعة بالخوف من زوال الملك، وبالمنهجية الإجرامية في القهر والتعذيب دون رادع.
سنن متكرّرة.. وعلو أشد من علو فرعون
توقف السيد القائد عند قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إسرائيل فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.
مبينًا أن القرآن وصف علوهم بعبارة “علوًّا كبيرًا”، وهو توصيف يفوق ما ورد بشأن فرعون، ما يعكس خطورة الإفساد والعلو حين يقترن بالإمْكَانات والخبرة والنفوذ.
فالصراع لم يتوقف عند زمن موسى، بل هو ممتد مع من يسلكون طريقًا أشد طغيانًا من طغيان فرعون نفسه.
دروس عملية للمؤمنين
أكّـد السيد القائد أن القصص القرآني موجّه لقوم يؤمنون؛ لأنهم هم من يتفاعلون معه ويستلهمون منه الهداية في واقعهم العملي.
فالقرآن لا يعرض لنا النماذج لمُجَـرّد المعرفة، بل ليكشف لنا طبيعة الشخصيات الخطرة، وآليات الإفساد، حتى لا نقع في فخاخها.
إنها دعوة إلى أن نكون من “أولي الألباب”، الذين لا يمرون على القصص مرور السامع، بل يحوّلون الهداية إلى عمل ومسؤولية في واقع الحياة.



