خديعة “المفاوضات”

بقلم/مبارك حزام العسالي
ما بين “صراع الأجنحة” داخل واشنطن، وبُوصلة القرار فيها، لم يتأخر الصدامُ بين رغبة ترامب “البراغماتية” وبين طموحات اللوبي الصهيوني والدولة العميقة.
فبعدَ ساعات من محاولة “تجزئة الجبهات”، جاء الخبر اليقين عبر شبكة “إن بي سي” ليؤكّـد أن ترامب وجه أمرًا مباشرًا لنتنياهو بتخفيف حدة الغارات على لبنان.
هذا التحَرّك ليس حُبًّا في بيروت، إنه اعتراف أمريكي بأن “وحدة الساحات” التي تفرضها إيران والمقاومة باتت حقيقةً لا يمكن القفز فوقها لإنجاح “فن الصفقة”.
لم يجد ترامب بُدًا من لجم الاندفاعة الصهيونية لتأمين “صفقته الكبرى” مع طهران.
إن الخبر الذي أوردته شبكة “إن بي سي” حول طلب ترامب من نتنياهو تخفيف الضربات على لبنان هو اعتراف صريح بأن هدنة هرمز لا يمكن أن تستقرَّ طالما بقيت لبنان تحت النار.
لقد أدرك ترامب أن استمرار “الأربعاء الأسود” في لبنان بـ 100 غارة متزامنة وما خلفه من مئات الشهداء، سيحرق ورقة الهُدنة في هرمز قبل أن يجف حبرها.
وبما أن النفط وهدوء المضيق هما أولوية ترامب القصوى في إبريل 2026، فقد اضطر للجم “كلبه المسعور” في كَيان الاحتلال، معتبرًا أن لبنان لا يجب أن يكونَ السببَ في تفجير الاتّفاق مع طهران.
ولكن، وكما هو ديدن كَيان الاحتلال، جاء الرد بمناورة سياسية ولدت ميتة، عبر الحديث عن “مفاوضات مباشرة” لنزع سلاح المقاومة.
الميدان يكتب والنقاشات تمحو
الحقيقة التي يتجاهلها نتنياهو ومعه “الدولة العميقة” في واشنطن، هي أنه لا يمكن لأية حكومة في بيروت، مهما بلغت الضغوط عليها، أن تنزع سلاحًا عجزت عن زحزحته أساطيل “الأرمادا” الأمريكية وأحدث ما أنتجته مصانع السلاح الصهيوني.
إن سلاح المقاومة الذي يطالب نتنياهو بنزعه اليوم، هو السلاح الذي أدار آلاف العمليات منذ أُكتوبر 2023 دون توقف.
وَإذَا كان كَيان الاحتلال يراهن على استنزافه، فإن الـ 5600 صاروخ ومسيرة التي انطلقت في الأربعين يومًا الأخيرة، قد أثبتت أن مخازن المقاومة وإرادتها أبعد ما تكون عن الانكسار، وأن ما عجزت عنه أساطيل “الأرمادا” لن تحقّقه طاولات التفاوض، ولن يتم تسليمه بـ “جرة قلم” في جلسة تفاوض خادعة.
خديعة “المفاوضات تحت النار”
يحاول نتنياهو اليوم تسويق “وهم” لجمهوره عبر ادِّعاء وجود طلبات لبنانية لنزع السلاح، مستغلًّا قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح في العاصمة بيروت.
لكنه يتناسى أن:
- اليد العليا للمقاومة: الميدان لا يزال يتحدث بلغة الصواريخ التي تصل إلى العمق، والاشتباك البري الذي يثبت يومًا بعد يوم فشل التوغل الصهيوني.
- عجز الحكومة: السلطة في بيروت تدرك أن نزع سلاح المقاومة هو “انتحار وطني” واجتماعي قبل أن يكون سياسيًّا، وهي لا تملك الأدواتِ ولا الشرعيةَ للعبث بمقومات الردع التي تحمي ما تبقى من السيادة.
فشل “تجزئة الساحات”
إن محاولةَ نتنياهو فصلَ جبهة لبنان عن اتّفاق هرمز عبر “بدعة” المفاوضات المباشرة، هي رقصةٌ أخيرةٌ على حافة الهاوية.
فإيران، التي فرضت شروطَها العشرة، لن تقبلَ بهُدنة تترك حليفَها الأقوى وحيدًا تحت مقصلة الابتزاز.
الربط الذي فرضته المقاومة بين أمنِ المتوسط وأمن هرمز بات حقيقةً جيوسياسية لا يمكن الالتفاف عليها.
إذن..لقد انتهى زمنُ “الإملاءات”، ودخلنا زمنُ “فرض الشروط” عبر الميدان.
إن طلب ترامب بـ “التهدئة” هو إعلانٌ غير مباشر بفشل القوة العسكرية في تحقيق أهدافِها القصوى.
ومهما حاول نتنياهو المناورةَ بمِلفات “نزع السلاح”، سيبقى الواقعُ يفرضُ نفسَه: مَن لم تكسره النيران، لن تخدعه طاولاتُ المفاوضات المسمومة.
ما يجري الآن هو “فصلٌ جديد” من فصول الصمود الإقليمي؛ فبعد أن انكسر سقفُ المطالب الأمريكية في هرمز، يحاول كَيانُ الاحتلال الآن انتزاعَ “نصر موهوم” عبر استدراج لبنانَ لمفاوضات بشروط انتحارية.
إن الردَّ الحقيقيَّ ليس في دهاليز السياسة المسمومة، بل في ثبات الميدان الذي أجبر ترامب بالأمس على التراجع، وسيجبر نتنياهو غدًا على ابتلاع أوهامِه حول “نزع السلاح”.
نقلا عن موقع21سبتمبر




