ثورة الـ 21 من سبتمبر.. تطهير العمق الجيوسياسي المحتل منذ سبعين عاما

بقلم/ إبراهيم محمد الهمداني
على مدى سبعين عاما، كانت اليمن بشكل عام، ومنطقة الساحل الغربي خاصة، تمثل العمق الجيوسياسي، لقوى الاحتلال والعدوان والحصار، ثالوث الصهيونية العالمية (السعودي الإسرائيلي الأمريكي)، الذي أحكم قبضته وسيطرته ونفوذه، على اليمن أرضا وإنسانا، من خلال الأنظمة الحاكمة المتعاقبة، التي دخلت حظيرة الطاعة الأمريكية، من بوابة التبعية المطلقة للسعودية ولجنتها الخاصة، وكانت ثلاثة عقود من حكم الخائن عفاش، بمثابة العصر الذهبي لثالوث الهيمنة الصهيونية في اليمن، وحين كسرت ثورة الـ 21 من سبتمبر 2014م، سردية الوصاية والتبعية والخضوع للصهيونية وأدواتها، لجأت تلك القوى الاستعمارية إلى تمزيق الجغرافيا اليمنية، وتبني حرب عدوانية ظالمة وحصار غاشم على اليمن، والإيعاز إلى أدواتها الإقليمية (السعودية وأخواتها)، بتبني وتنفيذ العدوان الإجرامي، وأوكلت إلى أدواتها المحلية، بالسيطرة على جغرافيا الثروات والمضائق المائية، فكانت الأولى من نصيب التنظيمات الإرهابية السلفية وغيرها، تحت إشراف مملكة الشر والإجرام السعودية، وكانت جغرافيا المضائق والمسطحات المائية، من نصيب بقايا مخلفات نظام الخائن عفاش، بإشراف دويلة الإمارات الصهيونية المتحدة، التي اختارت الخائن المدعو طارق عفاش، لمسمى قيادة تلك المجاميع والتشكيلات العسكرية المختلفة، في منطقة الساحل الغربي ومركزها المخا.
كان “الصهيوني الصغير”، طارق عفاش، أو جولاني اليمن، كما كان عمه الخائن عفاش من قبل، ورقة رهانهم الكبرى، وبوابتهم الأولى لمشروع الدخول إلى صنعاء، ورفع العلم الإسرائيلي عليها، بدلاً من العلم اليمني وشعار الصرخة في وجه المستكبرين، حسب تصريحات قادة صهاينة آنذاك، وبناءً على مقتضيات تلك التحالفات الوظيفية، بين الصهيونية العالمية وحمارها الصاعد عفاش، رفع حمار الصهيونية “الصهيوني الصغير”، قوائمه وحرك ذنبه وأذنيه، ومد ظهره على اتساعه، ليمتطيه أسياده؛ السعودي والصهيوني، في رحلته الخاطفة “قادمون يا صنعاء”، ليرفعوا علم إسرائيل في سمائها وعلى جبالها، فبدأ السعودي تصعيده العدواني، ضد الشعب اليمني، متجاهلاً التحذيرات من عواقب ذلك؛ لأنه أصبح يرى من على ظهر “الحمار عفاش” ما لا يراه سواه، فصنعاء – كما يراها من بين أذني الحمار الصغير – قد أصبحت قاب نهقتين أو أدنى، ومشاهد التحشيدات والترسانة العسكرية الهائلة، قد أعمت بصره وبصيرته عن تحاشي كل خطر، وملأت فضاء رؤيته غرورا وتعاليا، وغمرت نفسه عجبا وأنانية، وفاضت بقلبه إجراما وطغيانا، فأسند ظهره إلى رديفه الإسرائيلي، الذي أكد تأييده لجرائم خادمه السعودي، وتحالفه معه ضد من سماهم أنصار الله الحوثيين، والشعب اليمني، بوصفهم – حسب تصريحات إسرائيلية – عدواً مشتركا للكيانين الصهيونيين الطارئين، وحمارهما الصهيوني الصغير.
وفي غمرة نشوة العجب والاستكبار، وسكرة جنون العظمة، وشهوة الذبح والقتل والتدمير، ومشاعر الانتقام والشعور بالنصر الخيالي المسبق، سقط “حمار الصهيونية” المدعو “طارق زمزمية”، وأسقط معه راكبَيه السعودي والإسرائيلي، وفر هاربا كعادته، تاركا خلفه زمزمية مثقوبة، ومئات الآلاف من حشود القتلة المأجورين، ومخططا داعشيا ساقطا، مفرغا من شهوة السكاكين لدماء أبناء الشعب اليمني، وترسانة عسكرية متطورة هائلة، رغم الدعم المتكامل إقليميا وعالميا، المقدم له من القوى الاستعمارية وعملائها، علاوة على التأييد الكبير المعلن، من قبل تكفيريي سوريا (الجولاني) إعلاميا وعسكريا، سواء من خلال الوجدانية المعنوية، بمقاطع وفيديوهات المباركة والتأييد، والتبشير بقرب تحرر صنعاء كما تحررت دمشق الجولاني، أو من خلال المشاركة الفعلية، بتحشيد عشرات الآلاف من مقاتلي داعش في سوريا، إلى الساحل الغربي عبر السعودية، حسب تقارير إعلامية غربية.
خاض أبطال القوات المسلحة اليمنية (أنصار الله)، معركة مصيرية حامية الوطيس، ضد تحشيدات العدو السعودي، من أجل تحرير الساحل الغربي، وتطهيره من هيمنته وسيطرته، في معركة استثنائية غير متكافئة؛ لا عددًا ولا عتادًا، لكن القلة المؤمنة بالله، المتوكل عليه الواثقة بنصره، غلبت الكثرة الطاغية الباغية المستكبرة، ولم تُغنِ عنهم كثرتهم ولا قوتهم ولا تحالفاتهم، ولا إرجافهم ولا تهويلهم ولا ترسانتهم الكبرى، وسرعان ما تساقطت، أمام قوة وعظمة وجبروت جبار السماوات والأرض، الذي صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ومهما تحدثنا عن مجريات المعركة، ومشاهد وأحداث المعارك، والمواجهات من نقطة الصفر، يظل الحديث عاجزًا عن الإلمام بعناصر الصورة، ويظل الوصف قاصرًا عن اللحاق بجوانب المشهد الواحد، ناهيك عن إمكانية استيفاء عظمة التأييد والتدخل الإلهي المباشر، المتجلي في المشاهد المتوالية، على نحو واضح للعيان.
إذا كان مجرد عبور مساحة 5400 كم2، قد يتطلب وقتا وجهدا وإمكانيات كبيرة، فما بالك باجتيازها حربا ضروسا، ومسح جغرافيتها المترامية قتالا شرسا، وتحريرها وتطهيرها شبرا شبرا، في وقت قياسي جدا، أقل مما يتطلبه عبورها الآمن، وتبقى لغة الصورة، ورسائل مشاهد التحرير الملحمية، هي التجسيد الحقيقي لمصاديق الوعود الإلهية، وأبلغ دلالات النصر الإلهي العظيم اللامتناهي.



