المقالات

مع عبقرية الرسول العسكرية (4) أبو طالب بطل الإسلام في مكة وحامي الرسول (ص)


د/ حمود الأهنومي
امتنّ الله سبحانه وتعالى على رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بأنه وجده يتيما فآواه، وقد تحقق مصداق ذلك بأن هيأ الله عز وجل له من يربيه ويؤويه وهو جده عبدالمطلب ثم عمه أبو طالب، الذي كان وزوجته فاطمة بنت أسد يرعيان رسول الله أكثر من رعايتهما لأبنائهما، ثم لما بعثه الله برسالته هبّ أبو طالب رضي الله عنه مدافعا ومحاميا بقوة وشراسة، فلم تنل قريش من رسول الله إلا بعد موت عمه أبي طالب رضوان الله عليه، وفي درس أبي طالب المحامي والمدافع عن الرسول درس يستفيده جميع من يتحرك في حماية الشخصيات.
لقد عمد الأمويون إلى الإساءة إلى الإمام علي عليه السلام في سياق الصراع بين الإيمان في امتداده الصحيح ممثلا في الإمام علي وخطه النبوي الإلهي، وبين قوى الرجعية الجاهلية التي تمظهرت بثياب الإسلام منذ أن هُزِمَتْ في فتح مكة، ممثلة بمعاوية وبني أمية والطلقاء، وبعد جولات الصراع بين الحق والباطل حرص الأمويون على تثقيف الأمة بأن أبوي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في النار، وكذلك أبو طالب والد علي عليه السلام في النار، لكن أبوي معاوية بن أبي سفيان في الجنة، وشغلوا ماكيناتهم التثقيفية لصنع روايات وأخبار تحوم حول ذلك.
غير أن الحقيقة أن أبا طالب رضوان الله عليه كان الحامي الأول والمدافع القوي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، منذ أول يوم في البعثة النبوية، ففي حديث الدار لما جمع الرسول بني هاشم، وبادر الإمام علي للاستجابة له، والتصديق بما قاله، قال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: “إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا”، فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: “قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع”، أما أبو لهب فقد ذهب  إلى التهديد لبني هاشم، قائلا: “إنكم إن لم تأخذوا على يده فستهجم عليه العرب، فلا يجد من يمنعه”، فأجابه أبو طالب: “نحن والله سنمنعه”.
هذه العبارة “والله نحن سنمنعه” مما ينبغي أن تعلق في كل مقرات حماية الشخصيات والمؤسسات وأن تكون شعارا لكل المدافعين عن هذا البلد والوطن وعن الأمة جمعاء.
وبالعودة إلى أبي طالب فقد انطلق في مهمة الحماية والدفاع عن ابن أخيه الرسول النبي بنبل وتقدير واحترام وإجلال، وتصديق لنبوته ودينه، وحماه ومنع عنه كل عادية، وقد شهد بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يحمي رسول الله في مكة في الليل والنهار، ويتناوب مع أولاده ولا سيما الإمام علي عليه السلام على الحماية الشخصية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وانطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤدي دوره في إبلاغ الرسالة مطمئنا أن الله قد هيأ له من يحميه ويدافع عنه شخصيا، في ذات الوقت الذي فيه حدب عليه عمه أبو طالب، ومنعه، وقام دونه، ومضى رسول الله ص على أمر الله مظهرا لأمره لا يرده عنه شيء، فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشرافهم إلى أبي طالب، فقالوا: إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فأرسل أبو طالب إليه يقول له: يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فظن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد ضعف عن نصرته، فقال قولته المشهورة: (والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)، ثم قام فولى، فناداه عمه أبو طالب وقال له: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه، فقال: “اذهب فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا”.
وقال شعرا يرد على أولئك الذين يزعمون أنه سيتخلى عن رسول الله إذا اشتدت عليه الخطوب، فقال:
كذبتم وبيتِ الله يُبْزَى محمدا   ***   ولمَّا نطاعنْ عن دونه ونناضلِ
ونُسْلِمَه حتى نُصَرَّعَ حوله   ***   ونذهلَ عن أبنائنا والحلائل
وينهض قوم في الحديد إليكم   ***  نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل
وهو في هذا الشعر وغيره يبين استعداده لخوض الحرب والقتال وأن يصرع حوله في سبيل الدفاع عن محمد وعن دينه، وتؤكد جميع الوثائق التاريخية على حماية أبي طالب المستمرة للرسول (ص) والتصدي لقريش رغم كبر سنّه حيث ناهز إبان البعثة الخامسة والسبعين، فوقف منافحاً ومدافعاً عنه بلا أدنى تردد، بل جهر بذلك أمام قريش، وقد رُوِيَ أن رسول الله قال: “ما نالتني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب”.
وعند حصار قريش لبني هاشم في الشعب للضغط عليهم بتسليم رسول الله وقتله رفض بنو هاشم كافرهم ومسلمهم أن يسلموه إليهم، ونصروه مما ينصرون أنفسهم بعضهم بدافع الإيمان، والآخرون بدافع الحمية القبلية، واستعدوا لحالة الحصار الاقتصادي والاجتماعي مهما بلغت ضغوطها، ولما رأى أبو طالب ما أجمع عليه القوم أمر أهله أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شعبهم، وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله، وكان أبو طالب يتناوب مع ابنه علي حراسة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الليالي المظلمة.
ولما مات عمه أبو طالب وزوجته خديجة، سمي ذلك العام عام الحزن، ولا يمكن أن يحزن رسول الله إلا على شخص له أهمية في تاريخ الرسالة الأمني والعسكري، فقد كان له دور عظيم يجب أن يتعلم منه كل من يتحرك لحماية الشخصيات المؤثرة والفاعلة.
ومن أشعاره رضوان الله عليه التي تدل على إسلامه وإيمانه وقوة بأسه وحماسه في الدفاع عن الرسول وعن الإسلام شعره المشهور الذي يقول فيه:
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا  ***   رسولا كموسى خُطَّ في أول الكتب؟
وأن عليه في العباد محبة   ***    ولا حيف فيمن خصه الله بالحب
وقوله مخاطبا الرسول (ص):
والله لن يصلوا إليكم بجمعهم   ***   حتى أوسَّدَ في التراب دفينا
فاصدَعْ بأمرك ما عليك غضاضةٌ   ***  وأشِرْ بذاك وقَرَّ منك عيونا
ولقد علِمْتُ بأنّ دينَ محمدٍ  ***   منْ خيرِ أديانِ البريةِ دينا
وقوله:
ألم تعلموا أنَّ ابنَنا لا مكذّبٌ  ***  لدينا ولا نعبا بقول الأباطل
وقوله:
لقد أكرم اللهُ النبيّ محمدًا   ***   فأكرمُ خلقِ الله في الناس أحمدُ
وشَقَّ له من إسمه ليُجِلَّه   ***   فذو العرش محمودٌ وهذا محمدُ
وقوله الذي رواه حتى البخاري من القوم:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه   ***   ثمال اليتامي عصمة للأرامل
فرضي الله عن أبي طالب، وعن ولده أشجع طاعن وضارب، وصلى وسلم على سيد المرسلين، وإمام المجاهدين، محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين..
الأسئلة للنقاش:
-كيف ترى الدور الأمني الذي قام به أبو طالب عليه السلام في حماية الرسول (ص)؟
-ما الذي نستفيده في واقعنا من جهود أبي طالب الأمنية؟
-هل هناك من علاقة بين عنوان السلسلة (مع عبقرية الرسول العسكرية) وهذا الدرس بالخصوص؟ ما رأيك؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى