المقالات

يوم القدس العالمي.. يوم يقظة الأُمَّــة واستنفارها في وجه الطغيان

 

بقلم/عبدالمؤمن محمد جحاف

غدًا آخر جمعة من رمضان المبارك، تتجه أنظار المسلمين في مختلف أنحاء العالم إلى محطة سنوية تحمل في طياتها أبعادًا دينية وسياسية وحضارية عميقة، إنه يوم القدس العالمي؛ اليوم الذي أراده الإمام روح الله الخميني يومًا لتعبئة الأُمَّــة الإسلامية واستنهاضها في مواجهة الظلم والاستكبار، ولتجديد العهد مع القضية المركزية للأُمَّـة: قضية فلسطين والقدس الشريف.

هذا اليوم لا يأتي بوصفه مناسبة عابرة أَو فعالية رمزية، بل يمثل في جوهره نداءً مفتوحًا لضمير الأُمَّــة؛ كي تستعيدَ وعيَها بمسؤوليتها التاريخية تجاه مقدساتها، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فحين اقترح الإمام الخميني أن تكونَ آخر جمعة من شهر رمضان يومًا عالميًّا للقدس، كان يدرك أن القضية الفلسطينية ليست شأنًا محليًّا يخص شعبًا بعينه، بل قضية عقيدة وكرامة تمس وجدان كُـلّ مسلم.

لقد أطلق الإمام الخميني على كَيان الاحتلال الصهيوني وصف “الغدة السرطانية”، وهو توصيف لم يكن مُجَـرّد تعبير سياسي، بل تشخيص لطبيعة المشروع الصهيوني في المنطقة.

فالسرطان إذَا استشرى في جسد الإنسان لا يترك له خيارًا سوى استئصاله، وإلا فإنه يهدّد حياة الجسد كله.

وهكذا أراد الأمام الخميني أن يلفت أنظار الأُمَّــة إلى خطورة كَيان الاحتلال الذي قام على الاغتصاب والعدوان، وأن وجوده يمثل خطرًا دائمًا على أمن المنطقة واستقرارها وهُويتها.

ومن هنا، فإن يوم القدس العالمي يحمل رسالة واضحة: أن القدس ليست قضية قابلة للمساومة أَو المقايضة في أسواق السياسة، وأن مقدسات الأُمَّــة ليست أوراقا تفاوضية في صفقات عابرة.

فالقدس، بما تمثله من رمزية دينية وحضارية، هي عنوان كرامة الأُمَّــة، والتفريط بها يعني التفريط بالهُوية والرسالة.

إن أهميّة هذا اليوم تكمن أَيْـضًا في كونه يوم الوعي؛ اليوم الذي تتجدد فيه المعرفة بحقيقة الصراع، وتتضح فيه معالم المواجهة مع قوى الاستكبار العالمي التي تقف خلف المشروع الصهيوني.

فالمعركة ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة وعي وإدراك، ومعركة فهم لطبيعة المخاطر التي تحيط بالأمة، وكيف يمكن مواجهتها وفق الرؤية القرآنية التي تبني الإنسان الواعي القادر على التمييز بين الحق والباطل.

وفي هذا السياق، يصبح الخروج الجماهيري في ميادين وساحات الأُمَّــة تعبيرًا عن هذا الوعي المتجدد.

فحين يضحي الناس بساعتين من وقتهم في الساحات والميادين، فإنهم لا يقومون بمُجَـرّد نشاط جماهيري عابر، بل يؤكّـدون أن القضية الفلسطينية لا تزال حية في وجدان الأُمَّــة، وأن القدس ما زالت حاضرة في ضميرها الجمعي.

إن الاحتشاد في ميدان السبعين وسائر الساحات والميادين ليس مُجَـرّد حشد بشري، بل هو رسالة للعالم بأسره: أن الأُمَّــة لا تزال ترفض الظلم، وأنها تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله المشروع؛ مِن أجلِ حريته واستعادة أرضه ومقدساته.

ولذلك فإن يوم القدس العالمي يمثل لحظة تعبئة عامة، وفرصة لتجديد العهد مع القضية، واستحضار المسؤولية الدينية والإنسانية تجاهها.

إنه يوم يقظة المسلمين، يوم يرتفع فيه صوت الحق عاليًا في وجه الطغيان، ويؤكّـد فيه الأحرار أن القدس ستبقى قضية حية في وجدان الأُمَّــة حتى تتحقّق العدالة ويزول الاحتلال.

وفي هذا المعنى، فإن المشاركة في فعاليات يوم القدس ليست مُجَـرّد موقف سياسي، بل هي موقف إيماني وأخلاقي يعبر عن الانتماء لقضايا الأُمَّــة والدفاع عن مقدساتها.

فكل خطوة تُخطى في هذا الطريق هي إعلان وفاء للقدس، ونصرة للمسجد الأقصى، وتأكيد على أن الأُمَّــة مهما اشتدت عليها التحديات لن تتخلى عن قضيتها المركزية.

هكذا يطل يوم القدس العالمي كُـلّ عام ليذكّر المسلمين بأن القدس ليست مُجَـرّد مدينة محتلّة، بل رمز لقضية عادلة، وعنوان لصراع بين الحق والباطل.

يومٌ عظيمٌ عند الله، ويوم يقظةٍ للأُمَّـة، ويوم استنفار في وجه المستكبرين، حتى تبقى فلسطين والقدس حاضرتين في وجدان الأُمَّــة، وحتى يتحقّق الوعد بزوال كَيان الاحتلال وعودة الحق إلى أصحابه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى