شرعنة إعدام الأسرى: حكم بالإعدام على الأمم المتحدة والشرعية الدولية

بقلم / د نبيل عبدالله القدمي
تظل قضية الأسرى في وجدان البشرية مقدسة، كفلتها الشرائع السماوية قبل القوانين الوضعية، وحتى في أحلك عصور الجاهلية، والممالك الظلامية، لم يجرؤ أحد على شرعنة إعدام الأسير أو تجريده من كرامته الإنسانية. وجاءت اتفاقية جنيف الثالثة بنص المادة الـ 143 لتضع سياجاً قانونياً يحرم المساس بالأسرى أو تعريضهم للأذى، مؤكدة على حقهم في المعاملة الإنسانية والرعاية الطبية والحماية من العنف.
إلا أننا اليوم أمام كيان صهيوني مارق، لم يكتفِ بنسف جسور الإنسانية فحسب، بل دهس بنعال جنوده كل المعاهدات الدولية. فمن استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، إلى الاستهداف المتعمد للمدنيين وقتل النساء والأطفال، وقصف دور العبادة والمدارس والآثار التاريخية التي هي ملك للبشرية جمعاء، وصولاً إلى سياسة التجويع ومنع الغذاء والدواء؛ على سكان غزة، لقد ارتكب العدو الصهيوني فظائع لم يشهد لها تاريخ البشرية مثيلاً.
حتى بلغ ذروة الإجرام بما يسمى “قانون إعدام الأسرى”، في مشهد إجرامي يظهر فيه المدعو “بن غفير” وهو يحتسي الخمر مفتخراً بشرعنة القتل، في تحدٍ سافر لكل ما أقرته الأمم المتحدة التي منحت هذا الكيان المجرم مقعداً بين الأمم. لذا إن بقاء هذا الكيان الغاصب، في الأمم المتحدة هو إهانة لكل قيم الأمن والسلم العالمي، وعلى الأمم المتحدة إن أرادت إنقاذ ما تبقى من كرامتها-وسمعتها أن تسقط عضوية هذا الكيان المجرم الذي لم يترك محرماً إلا وانتهكه.
إن الواقع المرير يثبت أن مجلس الأمن وهيئات الأمم المتحدة لم تعد سوى أدوات بيد الآلة الصهيونية الأمريكية، مما يفرض على دول العالم الحر التفكير بجدية في إنشاء هيئة دولية جديدة تحمي الضعفاء وتلجم الطغاة. لقد أدرك العالم أن لغة القوة هي الوحيدة المسموعة، وأن على العرب والمسلمين الخروج من مربع الصمت والتبعية؛ فالمتفرجون اليوم والمطبعون والعملاء ليسوا سوى ضحايا مؤجلين في طابور “الدور القادم”.
وبكل صراحة ومكاشفة، لولا الدعم المالي والغطاء السياسي الذي يوفره مال الخليج للولايات المتحدة، التي بدورها تضخه في بنوك العدو الصهيوني، لما استمر هذا الكيان يوماً واحداً.
لقد وصل العرب الى الوقوف على الحافة، إما وقفة عربية إسلامية شامخة تستعيد الكرامة، وإما انتظار السقوط الفردي في فخ الإجرام الصهيوني الذي لا يفرق بين مسلم ومسلم.
إن حالة الارتهان التي تبديها دول الخليج والأردن لسياسات
المجرمين ‘ترامب’ و’نتنياهو’ تثير الدهشة، خاصة حين نرى الغرب نفسه يرفض الدخول في هذا الحلف. فما بال هذه الأنظمة تُجرّ إلى المذبحة طواعية، وكأنها فقدت بوصلة السيادة لتتحول إلى مجرد تابعٍ يقتفي أثر من يقوده إلى حتفه؟
لقد اعتادت الولايات المتحدة عبر تاريخها أن تخوض حروبها وهي تقود خلفها حلفاً غربياً واسعاً، تتقدمه بريطانيا وفرنسا وبقية دول أوروبا، لكن ما نشهده اليوم يكشف تحولاً لافتاً؛ إذ برزت مواقف رافضة داخل هذا المعسكر ذاته، حيث رفضت إسبانيا السماح باستخدام أجوائها في أي عمليات عسكرية متجهة نحو إيران، وكذلك مواقف مشابهة من إيطاليا، في مؤشر واضح على تصدع الإجماع الغربي المعتاد.
بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى تباينات داخل الحلفاء الأساسيين، حيث ظهر المجرم دونالد ترامب، في تصريحات مثيرة يسخر من شركائه الأساسيين، واصفاً بريطانيا بالضعف، ومتهكماً على الرئيس الفرنسي، أنه يتعرض للضرب من زوجته، في مشهد يعكس حجم التوتر داخل المعسكر الغربي نفسه، ويكشف أن المصالح لم تعد موحدة كما كانت في السابق. ولم يكتفِ بذلك، بل تحدث عن رغبته في إخراج الولايات المتحدة من حلف الناتو، في ظل رفض أوروبي للانخراط في أي مواجهة عسكرية ضد إيران، وهو ما يعكس عزلة متزايدة للقرار الأمريكي حتى داخل دائرته التقليدية.
وفي المقابل، تبرز مفارقة مؤلمة حين تتقدم بعض دول الخليج باستثناء سلطنة عمان لتقديم أراضيها وأجوائها، بل وقواعدها العسكرية وغرف عملياتها، خدمة للولايات المتحدة وإسرائيل، في وقت تحجم فيه دول كبرى عن الانخراط في هذا المسار. ولا يقتصر الأمر على الدعم اللوجستي، بل يتعداه إلى محاولات اعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بما يمنعها من الوصول إلى أهدافها داخل فلسطين المحتلة أو القواعد الأمريكية في المنطقة، وهو ما يضع هذه الدول في موقع الشريك الفعلي في مسار الصراع.
وعلى الرغم من أنبطاح دول الخليج والأردن للإرادة الأمريكية والإسرائيلية،
إلا أن واشنطن وتل أبيب، تخاطب هذه العواصم بلغة الاستعلاء الفج، ضمن علاقةٍ ‘السيد والمسود’؛ علاقة لا تعترف بالندية بقدر ما ترتكز على التبعية المطلقة والارتهان الكامل. وهنا يتجلى قول الباري سبحانة وتعالى، في قوله تعالى {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ} وهي آية تختزل واقع من يمنحون ودّهم وولاءهم لخصوم كفار،
لا يرون فيهم سوى أدواتٍ مسلوبة الإرادة.
لقد كشفت المواجهة الأخيرة الدائرة بين إيران ومحور المقاومة من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، عن حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن إسرائيل، رغم كل ما تملكه من ترسانة، تبقى معتمدة بشكل شبه كامل على الدعم العسكري الأمريكي والتمويل المالي الخليجي، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرتها الذاتية واستمرارها دون هذا الغطاء.
إن اللحظة الراهنة لم تعد تحتمل الصمت أو التردد؛ فالقضية ليست سياسية، بل أخلاقية وإنسانية بامتياز. ودينية في المرتبة الأولى، إن شرعنة إعدام آلاف الأسرى الفلسطينيين تمثل سابقة خطيرة لا يمكن تبريرها أو السكوت عنها، والصمت إزاءها يعتبر مشاركة في الجريمة.
والشعوب العربية اليوم أمام اختبار حقيقي، فإما أن تعبر عن موقفها بوضوح دفاعاً عن الدين والمقدسات والقيم والكرامة، وإما أن تظل أسيرة حالة الصمت التي لم تعد مقبولة في ظل ما يجري. لقد سقطت الأقنعة، ولم يعد هناك مجال للحياد الرمادي؛ فالمواقف باتت واضحة، والاصطفافات مكشوفة، أما مع محور المقاومة والحق أو مع محور الباطل الصهيوني




