سقوط الأقنعة: اتفاق الإطار ومقصلة الوهم الأمريكي في لبنان

بقلم/خديجة طه النعمي
لم يكن خطاب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، مجرد قراءة سياسية في تفاصيل وثيقة، بل كان إعلاناً حاسماً لنسف أوهام الهزيمة الدبلوماسية وتفكيكاً جراحياً لمشروع أمريكي-صهيوني خبيث، حاولت واشنطن تمريره عبر ركام الحرب بـاتفاق إطار مشبوه. هذا الاتفاق الذي صاغته الإدارة الأمريكية ووقعت عليه السلطة اللبنانية، لا يمثل خطة انسحاب، بل هو صك إذعان ومقصلة سياسية استهدفت انتزاع ما عجز العدو عن تحقيقه في ميادين المواجهة العسكرية.
فخ المناطق التجريبية وشرعنة الاحتلال
عند تفكيك بنود هذا الاتفاق، يتضح حجم السقوط المريع الذي انزلقت إليه السلطة. ففكرة رهن السيادة اللبنانية بـمناطق تجريبية، وجعل انتشار الجيش الوطني خاضعاً لتقييم لجنة ثلاثية تشارك فيها ما تُسمى بـ”إسرائيل”، هي بدعة سياسية تُهين كرامة الدولة. إنها محاولة مكشوفة لمنح مجرم الحرب بنيامين نتنياهو حق الفيتو على جغرافيا لبنان، وإعطائه حق الإشراف على سلوك مؤسساته العسكرية، مما يعني عملياً تحويل الاحتلال العسكري المباشر إلى انتداب أمني دائم ومقنّن.
ثم إن مقايضة السلاح الوجودي بمليارات الوهم هي الخطيئة الكبرى لهذا الاتفاق. هذا الشرط المفخخ ربط جدول الانسحاب الصهيوني الشامل بنزع سلاح المقاومة. من هنا تتبدى المؤامرة، فالولايات المتحدة، التي عجزت بوارجها وحلفاؤها عن كسر إرادة المقاومة في غزة ولبنان واليمن، تحاول اليوم استخدام أموال إعادة الإعمار والمليارات الموعودة كطعم مالي لتفكيك البنية الدفاعية للبنان.
واشنطن والسلطة المتماهية معها يتناسون حقيقة وجودية: أن هذا السلاح ليس ترفاً سياسياً يمكن مقايضته بالمال، بل هو الضامن الوحيد لبقاء لبنان على الخارطة. والقول بأن المقاومة خارجة عن القانون – في قرار حكومي مشؤوم طعن الميدان في ظهره – هو اصطفاف علني مع أهداف العدوان. فالتفسير الصهيوني للاتفاق يعني أن وجود أي رصاصة في لبنان يمنح العدو المبرر للبقاء في الحزام الأمني إلى الأبد. لذلك، جاء حسم الشيخ قاسم كصاعقة تفجر هذا الوهم: السلاح لن يُنزع قطعاً، والميدان لن نتركه.
في مقابل هذا المسار الاستسلامي، تبرز القوة الحقيقية للمحور. فالشيخ نعيم قاسم لم يكتفِ بالرفض، بل قدم البديل الاستراتيجي الذي يثبت أين تكمن القوة الفعلية؛ مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية. هذا المسار الدولي فرض في بنده الأول وقفاً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية وحفظ سلامة الأراضي اللبنانية دون قيد أو شرط داخلي. ولم تذعن واشنطن وتُلزم ربيبتها إسرائيل بوقف النار إلا عندما تحرك المحور بأوراق قوته الاستراتيجية، وتحديداً قرار الجمهورية الإسلامية بإغلاق مضيق هرمز ومحاصرة شريان الطاقة العالمي. هذه هي لغة القوة التي يفهمها المستكبر، لا لغة الاجتماعات المباشرة التي تفرض الإذعان في بيروت. وجريمة الأربعاء الأسود بـ100 غارة تدميرية لم تكن إلا تعبيراً عن جنون الصدمة الصهيونية ومحاولة يائسة للهروب من مفاعيل هذا الانكسار الدولي.
والخلاصة:
أن لبنان اليوم ليس أمام أزمة نصوص، بل أمام صراع إرادات. السلطة الرسمية توهمت أن المخرج يكمن في تقديم التنازلات المجانية للاستعمار، بينما يثبت التاريخ والواقع أن دماء الشهداء وتضحيات الأهل هي التي تصنع السلم والكرامة. والـ60 يوماً القادمة لن تكون مهلة لتفكيك المقاومة، بل ستكون مهلة ليتحمل العالم مسؤوليته في إجبار المعتدي على الانسحاب ذليلاً تحت ضغط النار. فالمقاومة الثابتة في متارسها لن تمنح المحتل بالسياسة ما قدمت أرواح قادتها لمنعه من أخذه بالقتال، والعاقبة للمتقين.



