تقارير وحوارات

في مربع المعادلة اليمنية.. السعودية بين خيار النجاة ومهبط المغامرة الأمريكية

تقرير:

 

أمام الجدية اليمنية لمعادلة “الحصار بالحصار” التي فرضتها القوات المسلحة، المدعومة بتفويضٍ شعبي؛ تدرك السعودية أن تعرض خطوط ملاحتها البحرية أو منشآتها الاقتصادية لضربات مباشرة سيقوض رؤيتها الاقتصادية ويضرب استقرار سوق الطاقة العالمي، وقد تجد نفسها مضطرة للتخلي عن المماطلة والعودة إلى طاولة المفاوضات لتنفيذ الاستحقاقات الإنسانية، بدءًا بفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة دون قيود، وصولاً إلى ملف المرتبات، كخيارٍ أقل كلفة من الدخول في حرب استنزاف بحرية شاملة.

وقد يلجأ النظام السعودي أيضًا، بدفعٍ أو ضوء أخضر أمريكي، إلى اختبار مدى جدية القرار اليمني عبر القيام بخطوات تصعيدية محدّدة كإجراءات اقتصادية مضادة أو تضييق إضافي على الموانئ، وهذا السيناريو سيقابل فورًا بردٍ عسكري يمني يتناسب مع حجم الحماقة، من خلال استهداف سفن شحن أو ناقلات نفط مرتبطة بالنظام السعودي، ما يضع المنطقة أمام جولة قتال خاطفة وقاسية تُجبر المجتمع الدولي على التدخل للضغط على الرياض لوقف التصعيد وتلبية المطالب اليمنية.

لكن وفي حال أصرت الرياض على التصعيد الشامل؛ فإن المعركة لن تبقى محصورة؛ إذ إن حظر الملاحة على السفن السعودية قد يتداخل مع خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر والبحر العربي والخليج وباب المندب وهرمز وقناة السويس، خاصةً أن البيان اليمني لم يحدّد مناطق معينة للحظر، ناهيك إذا حاولت قوى دولية حماية السفن السعودية.

ووفقًا للمؤشرات؛ فإن هذا المسار سيقود إلى أزمة طاقة عالمية وارتفاع حاد في تكاليف الشحن والتأمين البحري، ما يجعل استمرار الحصار على اليمن كلفة دولية باهظة لا يستطيع النظام الدولي تحملها، ويفرض في نهاية المطاف كسر الحصار كأمرٍ واقع.

وتُشير القراءة الإستراتيجية إلى أن اليمن، بنقله المعركة إلى مربع الأمن البحري والاقتصادي للعدو، قد امتلك زمام المبادرة، ما يجعل أيّ خيار سعودي خارج إطار التجاوب السلمي مغامرة غير مأمونة النتائج.

ويبدو أن البيئة الإقليمية المعقدة والخطيرة التي تحيط بالرياض تضعها أمام معضلة حقيقية تتجاذها قوتان متناقضتان: الحاجة الملحّة للاستقرار الداخلي لحماية مشروعها الاقتصادي، وضغوط الارتهان للموقف الأمريكي المتصاعد في المنطقة.

المتغير الاستراتيجي الراهن يؤكد أن النظام السعودي بات يجد نفسه في مأزق الشد والجذب وبين خيارين، الأول يتمثل بعوامل تدفع السعودية نحو الحل السلمي وحاجة الاستقرار التنموي، لأنها تدرك تمامًا أن معادلة “الحصار بالحصار” اليمنية قادرة على نسف كل ما خططت له في “رؤية 2030م”، وضرب الملاحة البحرية السعودية أو تجدد استهداف العمق الاقتصادي للمملكة سيعني هروب الاستثمارات الأجنبية، وتهديد سلامة خطوط إمداد الطاقة.

وسيق أن اختبرت الرياض على مدى ثماني سنوات من الحرب العبثية، وأدركت أن الخيار العسكري ضد اليمن فاشل، وبالتالي فإن مصالحها الحيوية تفرض عليها تجاوز المماطلة وتسييل التفاهمات الإنسانية، كالمرتبات والأسرى والموانئ، لشراء أمنها الاقتصادي.

في المقابل، تعيش المنطقة على وقع تصعيد عسكري غير مسبوق؛ حيث يشهد الإقليم أضخم حشد عسكري أمريكي وتصاعدًا للمواجهة المباشرة مع إيران، وهذا المناخ المشتعل يمارس ضغطًا هائلاً على الرياض؛ فواشنطن تضغط لمنع أيّ تقارب أو حل منفرد بين السعودية وصنعاء، وتوظف صفقات الأسلحة الضخمة، مثل صفقة الدفاع الجوي الأخيرة البالغة ملياري دولار، لربط الأمن السعودي بالمنظومة الأمريكية بالكامل، مستغلة المخاوف السعودية التاريخية.

خلاصة المشهد اليوم؛ فإنّ البيئة الحالية قد تدفع السعودية إلى ممارسة براغماتية مزدوجة قسريّة؛ فهي ستحاول إرضاء واشنطن سياسيًا وعسكريًا في ملفات الإقليم، لكنها في ذات الوقت ستسعى جاهدة لتجنب الصدام المباشر مع اليمن خوفًا من التداعيات الكارثية لمعادلة “الحصار بالحصار”.

غير أن هذه المناورة لن تطول؛ فاليمن أعلن بوضوح أن “المهلة انتهت”، ما يعني أن الرياض لم يعد لديها ترف المماطلة، وعليها قريبًا الاختيار بين الرضوخ للمطالب المحقة لليمن لتأمين نفسها، أو تحمّل تبعات الارتهان للمخطط الأمريكي الذي يريد تحويل المنطقة إلى ساحة حربٍ مفتوحة، خدمةً للمشاريع الصهيوأمريكية.

 

 

المسيرة نت| عبدالقوي السباعي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى