المقالات

كيف نعالج أخطر ثلاث إشكاليات تتكرر باستمرار؟

بقلم/محمد الفرح
في قراءتنا للأحداث وتقييمنا لمسارها، نقع في إشكاليات خطيرة تُضعف وعينا السياسي وتشوّش فهمنا لما يجري من حولنا.
الإشكالية الأولى: تتمثل في عزل الأحداث عن سياقاتها التاريخية والاستراتيجية، والتعامل معها كوقائع منفصلة، في حين أن أي خطوة أمريكية ليست إلا حلقة ضمن سلسلة متصلة من مشروع طويل الأمد، يُعاد إنتاجه بأدوات وأساليب مختلفة.
الإشكالية الثانية: هي اختزال السياسات الأمريكية في شخص الرئيس ترامب، والتعامل مع القرارات العسكرية وكأنها نزوات أو انطباعات شخصية عابرة.
الإشكالية الثالثة: أننا نحصر تأثير الأحداث في نطاق جغرافي معين، نتصور أنها لا تتجاوزه، وأن نتائجها ستكون مقتصرة على بلد أو فئة محددة.
والحقيقة أن الولايات المتحدة لا تُدار بالانفعالات، ولا تُبنى سياساتها الخارجية على الارتجال أو اللحظة، بل على خطط استراتيجية عميقة، تتداخل فيها مصالح الدولة العميقة مع العداوة والحقد على المسلمين، مع تأثير اللوبي الصهيوني، الذي يوجّه بوصلة القرار بما يخدم مشروع العدو الإسرائيلي في المنطقة.
ولنا في غزو أفغانستان مثال واضح؛ حينها روّج البعض أن الهدف هو القضاء على القاعدة وطالبان، وأن الأمر لن يتجاوز أسابيع، بينما كان الشهيد القائد آنذاك يحذّر من تبعات وتداعيات تلك الحرب، مؤكّدًا أنها ستكون حربًا طويلة. وقد صرّح بوش نفسه بذلك حين قال إن الحرب على الإرهاب ستكون طويلة.
وبالفعل، ما حدث كان احتلالًا طويلًا امتد لعشرين عامًا، أعقبه غزو العراق، وهو ما زلنا نعاني من تداعياته جميعًا إلى اليوم. ولو لم تتورط أمريكا في المستنقع العراقي، لكانت قد مضت أبعد في فرض هيمنتها على المنطقة بأكملها.
ذلك المشروع لم يُلغَ، بل تأجّل، ويجري اليوم استئنافه بصيغ جديدة.
ومن هذا المنطلق، فإن التهديدات الحالية، والتصعيد المتدرج، ومحاولات استهداف إيران، ليست سوى محطة في مسار أشمل، يعقبه استهداف بقية دول المنطقة، دون استثناء، بما فيها حلفاء أمريكا وإسرائيل أنفسهم.
فالمسألة لا تتعلق بدولة بعينها، بل بإعادة رسم الشرق الأوسط بما يحقق التفوق الإسرائيلي، عبر تفكيك الدول، وإضعاف الأنظمة، ونهب الثروات.
والهدف النهائي واضح: السيطرة المباشرة على منابع الطاقة والثروات، وتحويل شعوب المنطقة إلى أدوات إنتاج وقتال تخدم المصالح الأمريكية الإسرائيلية، واستخدام البحار والممرات والجغرافيا العربية والإسلامية كساحة مواجهة في صراعها مع القوى الدولية المناوئة، كروسيا والصين وغيرها.
إن ما يجري ليس حدثًا طارئًا، ولا قرارًا انفعاليًا، بل مشروع هيمنة قديم يتجدد، وفهمه على هذا الأساس هو الخطوة الأولى نحو وعي سياسي حقيقي وموقف مسؤول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى