المقالات

بركات المولد النبوي.. تكامل الإحسان والبأس المحمدي

 

بقلم/إبراهيم محمد الهمداني

يحتفي اليمنيون في كل عام بذكرى المولد النبوي الشريف، بشكل متفرد لا نظير له في كل بلدان الدنيا، تجاوز المظاهر الشكلية المألوفة، والاحتفالات الفرائحية المناسباتية العادية، إلى آفاق تجسيد الارتباط الروحي الفعلي، وتحقيق طبيعة الانتماء الجمعي الصادق، إلى الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من خلال إحياء تلك الطقوس الاحتفالية الدينية، من إنشاد الأناشيد والمدائح النبوية، ومجالس الذكر والصلوات المحمدية وغيرها، وكذلك الخروج الشعبي المليوني إلى الساحات، وما يحمله من رسائل للمحيط الإقليمي والعالمي، وبالإضافة إلى ذلك، حرص اليمنيون على إظهار شمائل الرسول الأكرم – محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم – والتخلق بأخلاقه والسير على نهجه، ليس على سبيل التقليد الباهت، وإنما من منطلق الاقتداء والاهتداء، وخاصة فيما يتصل بجوانب البر والإحسان والتكافل والتراحم، وكأن الرسول الأكرم – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – حاضر في أوساط هذا المجتمع الكريم، الذي يبدو وكأنه خلق من أجل حب ونصرة هذا النبي العظيم، وكأن هذا النبي الكريم – أيضا – لم يخلق إلا لهذا الشعب اليمني، وبهذا يؤكد أحفاد الأنصار، أن لهم ما كان حقا خاصا لأجدادهم، حين ذهب الناس بالشاة والبعير، وذهبوا هم برسول الله قسما ونصيبا.
ولذلك لا تزال بركات وخيرات الرسول الأعظم – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – تتوالى وتنهمي غدقة سخية، على الشعب اليمني في كل عام، ولا تزال المفاجئات والانتصارات والبشارات، تغمر قلوب أبناء يمن الإيمان والحكمة، الذين أنعم الله سبحانه وتعالى عليهم، بعبده الصالح ووليه وحفيد نبيه، قائدا وهاديا ومعلما ومزكيا وناصحا ومرشدا، على ذات النهج المحمدي الرسالي، وهو ما كان له كبير الأثر، في تعميق الارتباط والانتماء الجمعي الوجداني، في قلوب أبناء الشعب اليمني، بنبيهم الأكرم والأقدس والأسمى، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، الذي كان قدوتهم في الثبات على مواجهة الطواغيت، وأسوتهم في الصبر على المكاره وتحمل المشاق في سبيل الله، وملهمهم البذل والجود والعطاء والإحسان، والمسارعة إلى الخير وإغاثة الملهوف والتكافل والتراحم، ويمكن القول إن الرسول الأعظم محمد – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – كان عصمة اليمنيين وملاذهم وعونهم، وباب انتصاراتهم في مواجهة أعتى طواغيت الأرض، على مدى اثني عشرة عاما.
يطل علينا الرسول الأكرم – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في ذكرى مولده الشريف، ليملأ  قلوبنا وأرواحنا وشغافنا، بالحب والسكينة والعزم والقوة، ويهدينا – كعادته في كل عام – من بركاته وجزيل أفضاله، ما يملؤنا به يقينا ويزيدنا منه عزة وكرامة، حيث تجلت في مناسبة هذا العام 1448هـ، عظمة الإحسان والفضل المحمدي، مترافقة بشدة البأس والحسم المحمدي، ومن رحمته وبأسه تكامل العطاء بالكرامة، في إعلان الهيئة العامة للزكاة، تدشين مشاريع الوفاء للرحمة المهداة، بميزانية تجاوزت 14 مليار ريال، جسدت الإحسان المحمدي في واقع أكثر من 300 ألف مستفيد، من الفقراء والمساكين والمحتاجين، في جميع مصارف الزكاة الشرعية؛ منها مساعدات شهرية للأسر العاجزة عن العمل، بمبلغ 2.67 مليار ريال، شملت حوالى 44 ألف مستفيد، ومنها مساعدات نقدية للأسر الفقيرة بمبلغ 4 مليار ريال، شملت 200 ألف مستفيد، بالإضافة إلى مساعدات علاجية وغارمين بمبلغ تجاوز المليار ريال،  كما تضمنت المشاريع دعماً لمصرف سبيل الله، وزراعة الكلى، وعمليات قسطرة القلب، ودعم المستشفيات، ورعاية المتشردين، ودور الأيتام، والمراكز العلمية، فضلاً عن دعم ابن السبيل، وغير ذلك من المشاريع التي يصعب حصرها في هذا المقام، خاصة وأن جهود وإنجازات الهيئة العامة للزكاة، قد مثلت الرافعة الأولى في تعزيز قيم الخير والإحسان، وتعزيز الصمود الشعبي وإفشال مخططات العدوان، الساعية إلى قتل واستعباد هذا الشعب، وخنقه وتجويعه اقتصاديا ومعيشيا.
في الجانب الآخر، تتجلى بركات الرسول الأعظم – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في تعاظم قوة اليد التي تحمي، وتصاعد العمليات العسكرية للقوات المسلحة اليمنية، التي طالما غمرها الرسول الكريم بعطائه وفيوض بأسه في كل عام، وها هي في هذا العام – وقبل مناسبة المولد النبوي بيوم واحد – تعلن عن عملية عسكرية ثلاثية الأبعاد، تحقق فيها التأييد الإلهي والبأس المحمدي، حيث أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، عن عملية عسكرية واسعة، في إطار قرار حظر الملاحة البحرية على السعودية، وتثبيت “معادلة الحصار بالحصار”، وقد توزعت العملية في ثلاثة مسارات هي:

المسار الأول: استهداف السفينة النفطية السعودية “أمزان”، شمالي البحر الأحمر قبالة سواحل ينبع، وذلك بصاروخ باليستي بحري جديد ومتطور، أصاب هدفه بدقة متناهية، ما أدى إلى اندلاع نيران هائلة ومستعرة فيها، وهروب عدد من السفن الأخرى، التي كانت متواجدة في منطقة الاستهداف، مكرساً بذلك قرار حظر الملاحة البحرية النفطية على العدو، ومحولاً البحر الأحمر إلى ساحة مغلقة، أمام أوهام الغطرسة.
المسار الثاني: استهداف تحشيدات سعودية، مكونة من رتل عسكري كبير محمل بالعتاد، في منطقتي العبر والوديعة، باستخدام عدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وقد أسفرت العملية عن إحراق وتدمير أكثر من 10 شاحنات محملة بالأسلحة، كانت قادمة من الأراضي السعودية، لاستهداف الشعب اليمني.
المسار الثالث: استهداف تحشيدات تابعة للعدو السعودي، في منطقة الكنايس، بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وقد أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، بينهم قادة وضباط، وإحراق وتدمير عدد من مخازن الأسلحة.
وفي ختام البيان، أكد العميد يحيى سريع، استمرار القوات المسلحة اليمنية، في فرض حظر الملاحة البحرية على السعودية، ضمن منطقة العمليات المعلنة، وتنفيذ “معادلة الحصار بالحصار”، متوعداً بمواجهة أي تصعيد، بـ”ضربات أقوى وأشد”، وعمليات “أوسع وأكبر”، تماشيا مع ما أعلنت عنه القوات المسلحة اليمنية سابقا، عن فرض 3 معادلات على النظام السعودي، أُولاها “الحصار بالحصار”، وثانيتها “ضرب التحشيدات السعودية أينما كانت”، وثالثتها “حماية سيادة اليمن، والتصدي لأي اختراقات للعدو”، وبعد تهنئة الشعب اليمني والأمة العربية والإسلامية، بهذه المناسبة لعظيمة، دعا العميد سريع – باسم القوات المسلحة اليمنية – جموع أبناء شعب الإيمان والحكمة، يمن الأنصار، إلى الخروج المليوني المشرف، لإحياء هذه المناسبة في كل الساحات المحددة.
يمكن القول إن الربط بين مشاريع البر والإحسان، وعظمة العمليات العسكرية، يعكس حقيقة السيرة النبوية الشريفة، ويجسد طبيعة النهج الرسالي المحمدي، وتميز اليمنيين في إحيائه نهجا وسلوكا، فكما كان النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، “رحمة مهداة” للمستضعفين والفقراء، فقد كان – في نفس الوقت – هو والذين معه، “أشداء على الكفار رحماء بينهم”، وعلى هذا النحو جسد اليمنيون أخلاق وقيم الحق والعدل، وأكد الشعب اليمني وقواته المسلحة وهيئة زكاته، أن الاحتفال بمولد النبي الأعظم، هو التزام متكامل بالبناء الداخلي والتكافل الإنساني، وقوة ثبات حازمة في وجه الحصار والعدوان؛ فاليد الطاهرة التي بذلت الـ 14 مليار ريال، لتمسح دمعة يتيم، وتأمين لقمة عيش الفقير، وتداوي جراح المريض، هي ذاتها اليد الإيمانية الصلبة، التي ضغطت على زر إطلاق الصواريخ الباليستية والمسيّرات، لتدك عروش المستكبرين، في ينبع والجوف والعبر، وهذا التلازم والتكامل الوجودي، بين قيم الرحمة المهداة وقيم البأس والحسم المحمدي، هو النواة الحقيقية، المعبّرة عن الجوهر الأصيل للنهج المحمدي العظيم، لتبقى اليمن في جانب منها، جنة العشق المحمدي، وفي الجانب الآخر هي مقبرة الأعداء والغزاة، ومنارة الحرية والاستقلال والسيادة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى