المقالات

بين خضرة المولد وقسوة الواقع: كيف يقرأ اليمنيون المولد النبوي اليوم

بقلم/​رؤى الحمزي

​هنا اليمن، منبت الحضارة وبلد الحكمة، الشعب الذي دخل في دين الله أفواجاً. في الشوارع التي أنهكها التعب، وعلى واجهات المنازل التي تحمل آثار الحصار والسنين العجاف، يتسلل اللون الأخضر من جديد ليغطي حوائط المدن والمحافظات وأزقتها.

​المشهد للوهلة الأولى يحمل تناقضاً صادماً من الجوانب كافة! أضواء تتلألأ ولونٌ أخضر يُبهج الروح قبل العين، بينما تجلس على الرصيف ذاته أسرٌ تكابد عناء ومشقة توفير قوت يومها، ووجوهٌ أضناها الغلاء وقسوة الظروف المعيشية.

​هذا المشهد المتكرر خلال السنوات الأخيرة يدفعنا للتوقف والمساءلة: كيف يتآلف هذا الاحتفاء الواسع مع واقعٍ اقتصادي وإنساني بالغ الصعوبة؟ هل الخضرة التي تكسو المدن اليمنية في هذه الذكرى العظيمة مجرد مظاهر طقسية عبَرت الشارع، أم أنها تعكس شيئاً آخر تماماً؟

​إن هذا الاحتفاء يعكس جوهراً وملاذاً روحياً أعمق، يتشبث به الناس بحثاً عن طمأنينة يفتقدونها، ونورٍ ورحمة ينتظرونهما وسط الظلم الذي حلّ بهذا الشعب المؤمن الصابر المحتسب والمجاهد الباذل في سبيل الله، دون أي وجه حق، وبلا سببٍ يسوغ هذا الحصار الجائر وتسويد الحياة في عينيه!

​ولكن بمرور السنين، وبفضل الله ووعده الحتمي بنصر المؤمنين، وبفضل القيادة والذين بذلوا مهجهم في سبيل الله، نرى هذه المأساة والمعاناة بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً؛ ففي قلب المعاناة أصبحنا أكثر قوة، وأشد وعياً، وأقدر على التحمل، وأكثر عزماً على العمل نحو الاكتفاء الذاتي في شتى المجالات، والعودة إلى الزراعة التي أضحت شبه معدومة بسبب ثقافة التحضر..!

​نجد أن هذه الزينة وهذا الاحتفاء ليسا مجرد طقوسٍ موسمية، بل هما استرجاعٌ للسكينة والطمأنينة، وإحياءٌ للرحمة والأخوة والتكافل الاجتماعي، وتجسيدٌ لأخلاقه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. نترجم كل ذلك -بتوفيق الله- في واقعنا أفعالاً تلامس حياة بعضنا البعض، وهذا ما يجعل الذكرى أكثر فاعلية؛ لأنه يثبت قدرة اليمني على التمسك بأخلاق الرحمة والإيثار حتى في أشد الأوقات قسوة.

​فالاحتفاء الأسمى بنبي الرحمة والسلام لا يتوقف عند حدود الزينة والطقوس الظاهرة، بل يتجلى في تحويل السيرة النبوية إلى واقعٍ ملموس يُطعم الجائع، وينصر المظلوم، ويداوي الجراح، ويجمع الكلمة. حينها فقط، تصبح خضرة الذكرى نبعاً يُزهر في واقع الناس حبّاً وتكافلاً، ويتحول المولد النبوي من مجرد محطة لتذكر الماضي إلى بوصلة للعبور نحو العزة والتمكين والغلبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى