من معاناة المزارعين إلى استعادة الأرض.. شهادات توثق تحولات الزراعة بعد ثورة 21 سبتمبر

تقرير| محمد صالح حاتم: شكّلت ثورة 21 سبتمبر2014م محطة مفصلية في مسار القطاع الزراعي اليمني، الذي واجه قبلها جملة من التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف الخدمات والإرشاد الزراعي، ومحدودية الاهتمام بالمزارعين، إلى جانب مشكلات التسويق والمدخلات والطاقة والمياه.
وتكشف شهادات ميدانية لعدد من المزارعين والقيادات الزراعية عن تحولات شهدها القطاع خلال السنوات اللاحقة، تمثلت في اتساع الحضور الميداني، وتنشيط العمل التعاوني، ودعم الإنتاج المحلي، وتنفيذ المبادرات المجتمعية، وتشجيع الاستثمار الزراعي، وتحسين خدمات الإرشاد والمتابعة.
ويؤكد مدير فرع مكتب الزراعة بمديرية المغربة بمحافظة حجة الدكتور محمد هرمس أن القطاع الزراعي كان يمتلك قبل ثورة 21 سبتمبر موارد وإمكانات كبيرة، إلا أن مستوى الاستفادة منها والاهتمام بالمزارعين والخدمات المقدمة لهم لم يكن بالمستوى الذي يوازي أهمية الزراعة.
ويشير هرمس في حديثه لصحيفة “اليمن الزراعية” إلى أن المرحلة التي أعقبت الثورة شهدت حضورًا ميدانيًا أكبر، واهتمامًا بالإنتاج المحلي والعمل الزراعي والمبادرات المجتمعية والتعاونية، رغم ما فرضه العدوان والحصار من تحديات، موضحاً أن مديرية المغربة شهدت تنفيذ حملات لمكافحة الآفات الزراعية، من بينها دودة الحشد الخريفية، إلى جانب المدارس الحقلية، وتحسين البذور، ودعم إنتاج وتسويق المحاصيل.
ويبين أن الجهود المبذولة في مجال إنتاج الأرز أسهمت في تسويق نحو 26 طنًا من بذور الأرز خلال الفترة 2015–2024، فيما بلغ إنتاج أرز المائدة نحو 68 طنًا خلال الفترة 2015–2025، إضافة إلى تنفيذ أنشطة في مجال فرز وتعبئة وتسويق محصول الأرز، وشراء قشارة للأرز وملحقاتها للجمعية التعاونية الزراعية.
وفي مجال المياه والأراضي، يشير إلى تنفيذ 30 منشأة حصاد مياه خلال عامي 2023 و2024، إلى جانب 53 منسحاً، فضلًا عن تنفيذ مبادرات مجتمعية لإعادة تأهيل الطرق الزراعية، منها 13 مبادرة لطريق المذيوب خلال الفترة 2014–2026، وثلاث مبادرات لطريق كحل خلال الفترة 2023–2026.
وفي الجانب البيطري، يوضح هرمس أن العمل الميداني شمل تنفيذ حملات للتحصين ومكافحة الطفيليات ومعالجة الأمراض، مستشهدًا بحملة نُفذت عام 2017 واستفاد منها أكثر من 61 ألف رأس من الأغنام والماعز و2300 رأس من الأبقار، لافتاً إلى استمرار الزيارات الميدانية للأسواق بصورة أسبوعية منذ عام 2023 وحتى 2026، بهدف الحد من ذبح صغار وإناث الثروة الحيوانية والحيوانات الضعيفة، بما يسهم في الحفاظ على الثروة الحيوانية وتنميتها.
العودة إلى الأرض واستعادة النشاط الزراعي
ومن واقع تجربته المباشرة في العمل الزراعي، يؤكد المزارع بكيل الصوفي من مديرية بلاد الروس أن وضع الزراعة والمزارعين قبل ثورة 21 سبتمبر كان صعبًا للغاية، واصفًا المرحلة بأنها كانت جحيمًا، نتيجة ضعف الاهتمام وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتوقف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عن العمل.
ويشير المزارع الصوفي إلى أن ارتفاع أسعار الديزل وتراكم الديون على المزارعين كانا من أبرز العوائق التي دفعت الكثير منهم إلى التوقف عن الزراعة، موضحًا أن المزارع كان يجد نفسه أمام تكاليف إنتاج مرتفعة وعائد لا يكفي لتغطية ما عليه من التزامات، موضحاً أن المرحلة اللاحقة شهدت تغيرًا ملحوظًا في مستوى الوعي والاهتمام بالعمل الزراعي، إلى جانب توسع الإرشاد الزراعي وتشجيع المزارعين على العودة إلى أراضيهم، الأمر الذي أسهم في إعادة مساحات كانت متوقفة إلى دائرة الإنتاج.
ويبين أن المبادرات الزراعية والتعاونية أسهمت في تحريك النشاط الزراعي، مشيرًا إلى أن نحو 80% من المزارعين عادوا إلى زراعة أراضيهم، فيما بدأت الجمعيات التعاونية بتوفير البذور والمدخلات الزراعية للمزارعين.
وعن تجربته الشخصية، يوضح الصوفي أنه كان قد توقف عن العمل الزراعي قبل ثورة 21 سبتمبر بسبب أعباء الديزل والديون، بينما يستثمر اليوم نحو 50% من رأس ماله في زراعة الفراولة والبطاطا والطماطم والحبوب، وهو ما يعكس، حسب قوله، حجم التحول الذي طرأ على نشاطه الزراعي، مشدداً على أهمية استمرار التسهيلات والدعم للمزارعين، خصوصًا في مجال توفير الآلات والمعدات الزراعية بنظام التقسيط، بما يساعد على خفض تكاليف الإنتاج وتوسيع النشاط الزراعي.
استعادة الاستثمار الزراعي وحماية المنتج المحلي
ومن محافظة الجوف، يشير المزارع الشيخ أمين علي بن زاهرة إلى أن القطاع الزراعي كان يمتلك مقومات كبيرة قبل ثورة 21 سبتمبر، إلا أن المزارعين واجهوا تحديات متعددة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج، والاعتماد على الديزل في تشغيل آبار الري، وتراكم الديون، إلى جانب منافسة المنتجات المستوردة للمنتج المحلي.
ويوضح أن ارتفاع أسعار الوقود ونقصه خلال السنوات التي سبقت الثورة أدى إلى زيادة أعباء المزارعين، فيما اضطر بعضهم إلى ترك مزارعهم، بما في ذلك مزارع كانت منتجة لأشجار النخيل والحمضيات، مشيراً إلى أن محدودية توفر الآلات والمعدات الزراعية، وضعف الاستفادة منها، شكلت عاملًا إضافيا في صعوبة التوسع الزراعي، إلى جانب النزاعات والقضايا المتعلقة بالأراضي التي حدّت من استثمار مساحات زراعية واسعة.
وفي المقابل، يؤكد بن زاهرة أن المرحلة اللاحقة شهدت اهتمامًا أكبر بإعادة استصلاح الأراضي والاستثمار فيها، من خلال النزول الميداني والمؤسسات والجمعيات والمشاريع الزراعية.
ويستشهد بتجربة مزرعة الصماد في وادي الخارد بمديرية المطمة، التي جرى استئجارها لمدة عشر سنوات بمبلغ 50 ألف ريال يمني للهكتار، والعمل على حفر الآبار وإنشاء منظومات الري والطاقة الشمسية واستصلاح الأراضي وزراعتها بالقمح والشعير والذرة والسمسم.
كما يوضح أن مشاريع أخرى شهدت توسعًا في الاستثمار الزراعي، ومنها مشاريع في مزارع الشعب، والرسول الأعظم، إلى جانب استثمارات مؤسسة أنعام اليمن في الحزم، ومشاريع زراعة النخيل في خب والشعف، التي شهدت زراعة آلاف الأشجار من أصناف التمور ذات الجودة العالية، بما يسهم في منافسة المنتجات المستوردة وتعزيز حضور المنتج المحلي.
ويشير إلى أن دور القبائل والمجتمع المحلي في تسهيل عمليات التأجير والبيع وحماية المستثمرين أسهم في تشجيع الاستثمار الزراعي، بالتوازي مع تنامي دور الجمعيات التعاونية والإرشاد الزراعي وتوفير البذور والمدخلات في صورة قروض بيضاء.
وفي مجال التسويق، يبين أن ربط المزارعين بالتجار والمستهلكين، وتنظيم عملية التسويق، والحد من استيراد بعض المنتجات خلال مواسم الإنتاج المحلي، وإلزام التجار بشراء المنتج المحلي، أسهم في تحسين فرص التسويق والأسعار.
ويلفت إلى أن استخدام الطاقة الشمسية أسهم بصورة كبيرة في خفض تكاليف الإنتاج وتقليل الاعتماد على الديزل، مقدرًا أن نحو 90% من المزارعين أصبحوا يستخدمون منظومات الطاقة الشمسية، مع استمرار الحاجة إلى توسيع برامج القروض البيضاء لتمويل هذه المنظومات.
ويؤكد أهمية تفعيل الجانب القضائي والأمني في معالجة قضايا الأراضي وحماية الاستثمارات، إلى جانب إقامة المهرجانات الزراعية والترويج للمنتجات المحلية، مشيرًا إلى مشاركة محافظة الجوف في مهرجان خيرات اليمن للعنب والتفاح والرمان والتمور، من خلال جمعية خب والشعف التعاونية.
ويشير إلى أن إنشاء نقاط لشراء التمور والحبوب والتنسيق مع التجار أسهم في إيجاد منافذ تسويقية أفضل وتحسين فرص حصول المزارعين على أسعار مناسبة لمنتجاتهم.
الإرشاد والجمعيات يعيدان الاعتبار للمزارع
وفي محافظة حجة، يوضح المزارع يحيى حسن الهارب من مديرية أسلم أن الزراعة قبل ثورة 21 سبتمبر كانت تعاني من ضعف الجدوى الاقتصادية، وغياب سلاسل القيمة، ومحدودية اهتمام المزارعين، إلى جانب ضعف الخدمات الزراعية الأساسية، وفي مقدمتها الإرشاد الزراعي.
ويشير إلى أن المرحلة اللاحقة شهدت تحولًا نوعيًا مع تشكيل الجمعيات الزراعية ومجموعات الإنتاج، وزيادة المتابعة الميدانية من الجهات المحلية، إلى جانب توفير البذور والمدخلات والإرشاد للمزارعين.
ويؤكد أن هذه الجهود، رغم تداعيات العدوان والحصار، أسهمت في تنشيط الإنتاج الزراعي وتنويع المحاصيل، موضحًا أن الحبوب شهدت توسعًا ملحوظًا، ومنها الأرز والذرة الرفيعة والذرة الشامية، بما يعزز الإنتاج المحلي ويقلل الحاجة إلى استيراد بعض المنتجات والمدخلات، مبيناً أن الإرشاد الزراعي يمثل أحد أبرز أوجه التغيير التي لمسها المزارع، بعد أن كان الحصول على المعلومة الزراعية الأساسية في السابق أمرًا صعبًا، بينما أصبح المزارع اليوم يحصل على المتابعة والإرشاد بصورة أكثر استمرارية.
ويضيف أن تجربته الشخصية تغيرت بصورة واضحة، إذ أصبح ينتج عدة محاصيل، وفي مقدمتها الحبوب، بعد أن كان النشاط الزراعي محدودًا وغير ذي جدوى اقتصادية.
كما يشير إلى أن ربط المزارعين بالجمعيات، وتوفير الدعم والمدخلات، والاستفادة من القروض البيضاء، أسهم في تعزيز الإنتاج وتشجيع المزارعين على توسيع نشاطهم الزراعي والتوجه نحو تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.
- نقلا عن موقع قناة المسيرة



