المقالات

ما وراء وثائق لجنة الاستمالة السعودية

 

بقلم/إبراهيم محمد الهمداني

 

إن الامتيازات المالية التافهة الرخيصة، والفتات الموزع في شكل مخصصات شهرية، وسيارات فاخرة، وإقامات متميزة في فنادق الرياض، لا تنطوي على أي تشريف أو تكريم، ولا عزة فيها ولا كرامة، وإنما هي قيود عبودية ثقيلة، تحول قطعان الخونة المنبطحين، إلى مجرد عبيد مسلوبي الإرادة والكرامة، ينفذون الأوامر بحذافيرها، حتى لو كانت تقضي بتدمير موانئ بلدهم، أو حصار أبناء جلدتهم، أو تصفية زملائهم الآخرين في الارتزاق والعمالة، في إطار صراع الأجنحة والأدوات، وتصفية الحسابات والتخلص من فائض العملاء، أو القضاء على من يتوقع خروجه عن النص، وفقا لعمليات التصفيات البينية، التي تديرها اللجنة السعودية، وعندئذ يصبح القائد العسكري أو الشيخ القبلي، مجرد أداة وظيفية رخيصة تافهة، تتحرك بالريموت كنترول، من غرف استخبارات الرياض أو من غرف عمليات القواعد المشتركة، ليبلغ بذلك ذروة العبودية المطلقة، متجردا عن إنسانيته وعن شرفه العسكري وعن شموخه القبلي، ليقف ذليلا خاضعا مهانا، أمام ضابط مخابرات سعودي حقير، يملي عليه ما يفعل وما يقول وما يعتقد.

إن أهمية وخطورة تلك الوثائق السرية – التي أُفرج عن جزء بسيط منها مؤخرا – تتجاوز معطيات فضيحة العمالة وعار الخيانة والارتزاق على المستوى الفردي، فلم تعد أسماء الخونة والعملاء والمرتزقة في ذات شخوصهم، هي ما تنتهي عنده محطات الفضول الجمعي، بقدر ما تكشف عن عمق الشرخ المجتمعي، الذي صنعته أجهزة وضباط مخابرات الأعداء، وعن حجم الاستهداف المتعمد لبنية المجتمع اليمني؛ فالعمالة لم تعد مجرد موقف شخصي أو غواية فردية، وإنما حالة جمعية تجاوزت الأفراد إلى المجتمع، سواء في تموضعه الأسري أو القبلي أو الحزبي أو المذهبي، حيث يمثل التصنيف المذهبي “السلفي”، أهم ركائزها ومتطلباتها، لتنطلق قطعان مجاميع العملاء المذهبية – وهي أخطرها – من منطلقات عدائية تكفيرية مطلقة، لا توسط فيها ولا رجعة عنها، الأمر الذي يجعل أفق العودة مغلقا، من طرف أولئك العملاء، ويجعل حسم المعركة غير قابل للتحقق بهزيمة أحد الطرفين، بل يتطلب فناء ومحو المهزوم غالبا.

وعلاوة على ذلك؛ تكمن أهمية تلك الوثائق السرية المسربة، في أنها تعيد تذكيرنا بحقيقة العدو السعودي المجرم، ومدى عدائه وحقده ومشاريعه الانتقامية، تجاه أبناء الشعب اليمني قاطبة، وأن معركتنا معه لا تنتمي إلى أي من عناوينه المعلنة، ولا تقف عند دعم ملكية ضد جمهورية، أو دعم شرعية ضد انقلاب حسب زعمه، كما أنها تتجاوز كونها معركة حدود، ومواجهة عسكرية في المتاريس والخطوط الأمامية، لتصبح معركة وجودية أخلاقية وحضارية، بين مشروعين لا يلتقيان مطلقا؛ مشروع الكرامة والسيادة والحرية والقرار المستقل، الذي تقوده صنعاء، ومشروع الارتهان والعمالة والتبعية ومسخ الهوية، الذي تديره اللجنة الدائمة للاستمالة السعودية، من غرف عملياتها الاستعمارية الإجرامية، مشروع الإيمان بالله وعزة العبودية لله وكرامة الاستخلاف في أرض الله، ومشروع الكفر بالله ومذلة العبودية لأعداء الله، والسقوط في التبعية لقوى الشر الاجرامية الشيطانية، وانحطاط الخضوع لعبيد عبيد الصهيونية والكيان الإسرائيلي الغاصب.

لقد أثبتت الأحداث والوقائع والأيام، وأكدت وثائق وملفات “صناعة القادة العملاء”، المتروكة في قلب إعصار الهزائم السعودية، في المخا والساحل الغربي، أن أموال النفط الطائلة، ومنابر الشحن الطائفي والتكفير والتزييف، واستراتيجيات صناعة العملاء وشراء الذمم، ربما قد تصنع “قطيعاً من المرتزقة والعبيد”، لكنها تعجز عن شراء شرعية موقف مفقودة، وقد تنجح – إلى حد ما – في صناعة شرخ مجتمعي عميق، لكنها أعجز عن كسر إرادة شعب حر، يمتلك ذاكرة حية لا تنسى الدماء والتضحيات، وقد تتمكن من صنع العداوات – خاصة المذهبية – وإذكاء جذوتها، لكن مساعيها الشيطانية سرعان ما تتبخر، أمام منطق العفو ومنطلقات الإيمان والحكمة، التي ستعيد لحمة الصف الوطني، وتوحيد الجبهة الداخلية، ضد العدو السعودي ومن خلفه الأمريكي والإسرائيلي، ولن يبقى في خانة الارتهان والعمالة والعبودية للكيان السعودي الصهيوني المعادي، إلا من أبى مسار الحرية وكره درب الكرامة وأبغض مقام الحرية، ورضي البقاء في بورصة لجنة الاستمالة، عبدا خاضعا مهانا في الدنيا والاخرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى