تقرير حقوقي يوثق عقد من الانتهاكات السعودية الإماراتية لحقوق الإنسان في المحافظات الجنوبية المحتلة

أصدر مركز “نداء الكرامة” للحقوق والتنمية تقريرًا حقوقيًّا موسعًا وثق فيه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والبيئة والتراث في المحافظات الجنوبية اليمنية من قبل تحالف العدوان السعودي الأمريكي الإماراتي، خلال عقدٍ كامل من الاحتلال الممتد من أغسطس 2015م، وحتى أغسطس 2025م، وذلك تحت عنوان “حماية زائفة: عقد من الاحتلال”.
وأبرز التقرير، الذي قدمه رئيس المركز “زيد الغرسي”، كيفية تحويل التدخل السعودي المعلن في مارس 2015م تحت شعار “عاصفة الحزم” إلى سلطة احتلال فعلي متكاملة الأركان تسيطر على القرار السياسي عبر تعيين وعزل القيادات، والتحكم بمؤسسات الدولة والمنافذ الحيوية والموانئ والمطارات وإغلاقها، إلى جانب بناء القواعد العسكرية وتشكيل ميليشيات مسلحة خارج إطار الشرعية.
وأشار مركز “نداء الكرامة” إلى أنه ورغم الوعود بتحقيق الأمن والاستقرار وتحويل عدن إلى نموذج تنموي؛ فقد شهدت تلك المناطق انهياراً شاملاً تمثل في الفوضى الأمنية، وتصاعد الاغتيالات والتفجيرات، وإنشاء السجون السرية، وتعطيل مقومات الحياة الأساسية مثل قطاع الكهرباء الذي شهد انقطاعات تجاوزت 19 ساعة يومياً، فضلاً عن انعدام المياه الصالحة للشرب وتدهور الأوبئة والخدمات الطبية، ونهب الثروات النفطية والغازية والبحرية والمحميات والمواقع الأثرية.
اعتمد تقرير المركز على منهجية توثيق صارمة وفق المعايير الدولية لتقديم وثيقة قانونية رصينة أمام الهيئات واللجان الأممية، رغم التحديات الجسيمة ومحدودية الوصول إلى المناطق الساخنة، وكشفت الإحصائيات الرسمية الموثقة بالأسماء والأرقام عن بلوغ إجمالي الانتهاكات أكثر من 75,197 واقعة انتهاك بحق الإنسان ضحيتها 111,161 مدنياً من النساء والأطفال والرجال، بالإضافة إلى 14,803 وقائع انتهاك بحق الأعيان المدنية ومؤسسات الدولة والمنشآت الحيوية.
وتتوزع هذه الانتهاكات المرصودة على انتهاكات الحق في الحياة التي شملت 156 حالة إعدام للأسرى و193 عملية إعدام مدنيين ضحيتها 350 شخصًا، و2,341 عملية اغتيال أسفرت عن اغتيال 1,277 شخصًا ونجاة 1,064 واستشهاد وجرح آخرين، وتفجير 121 سيارة مفخخة و9 دراجات نارية و32 تفجيرًا انتحاريًا، إضافةً إلى 54 عملية دهس.
كما تضمنت الهجمات غير المتناسبة 165 غارة جوية وبرية لقوات التحالف أدت إلى استشهاد 1,342 مواطناً وجرح 1,774 آخرين، إلى جانب مقتل وجرح المئات في غارات طالت مواقع الميليشيات التابعة لها، و1,178 عملية اشتباك مسلح من قبل أدواتها خلفت 1,787 قتيلاً و1,671 جريحًا، و140 اشتباكاً قبليًا نتيجة تغذية الصراعات والثارات، فضلاً عن 265 حالة قتل مباشر، و327 جثة مجهولة، و37 حالة موت تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز غير القانونية، و61 حالة انتحار و17 محاولة.
وفيما يتعلق بانتهاكات الكرامة الإنسانية والسلامة الشخصية، رصد التقرير 27,695 حالة اختطاف واعتقال تعسفي، و1,783 حالة إخفاء قسري، و31,716 حالة تعذيب وسوء معاملة في مراكز الاحتجاز غير القانونية، وبلغت الانتهاكات بحق المرأة استشهاد 131 امرأة وجرح 32، و425 حالة اغتصاب منها 231 داخل السجون، و79 حالة اختطاف وإخفاء قسري، و589 اعتقالاً تعسفياً واحتجازاً في ظروف مهينة، و152 حالة تعذيب في السجون، و38 عملية مداهمة للمنازل أسفرت عن قتل واختطاف ونهب وهدم، فضلاً عن قمع عشرات النساء خلال 51 فعالية احتجاجية.
وضمن الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال، وثق التقرير استشهاد 132 طفلاً وجرح 54، والتجنيد القسري لـ 7,000 طفل، و46 حالة اغتصاب، و713 حالة اختطاف واعتقال تعسفي وإخفاء قسري، و600 حالة تعذيب.
وعلى صعيد المرافق الطبية، تعرضت المنشآت الصحية لـ 42 عملية استهداف أسفرت عن استشهاد 51 شخصًا وجرح 35، بينما شمل استهداف الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف 162 عملية تضمنت 25 اغتيالاً و90 حالة اختطاف واعتقال وإخفاء قسري و24 عملية تقطع قتل فيها 3 أشخاص وعمليات سطو وبسط.
كما وثق مركز “نداء الكرامة” 815 عملية اقتحام منازل وانتهاك لحرمة الحياة الخاصة أسفرت عن استشهاد 90 وإصابة 85 واختطاف واعتقال وإخفاء 1217 شخصاً و236 عملية نهب، وتدمير 395 موقعاً جراء الغارات الجوية أدت إلى استشهاد 865 شخصًا وجرح 1,209، وتسجيل 1,834 حالة انتهاك للممتلكات الخاصة ما بين نهب وسطو واعتداء وإحراق أسفرت عن استشهاد 73 وإصابة 32.
وشملت الانتهاكات أيضًا 985 عملية استهداف للصحفيين والناشطين شملت القتل والتهديد والاختطاف والاعتقال والتعذيب وتدمير المعدات، وقمع 2,075 فعالية احتجاجية أسفرت عن استشهاد 64 مواطنًا وجرح 129 واختطاف واعتقال 1,571 شخصًا، و3,233 انتهاكاً لحرية التنقل أسفرت عن استشهاد 312 وجرح 467 واختطاف 930 ونهب 1,524، إضافةً إلى التهجير القسري على خلفيات عنصرية لـ 10,930 مواطنًا ومواطنة مع 3,593 حالة نهب وتدمير لممتلكاتهم.
وفيما يخص الممتلكات الثقافية والتاريخية، رصد التقرير تدمير 61 موقعًا أثريًا، و24 عملية نهب للمتاحف والمواقع شملت عشرات الآلاف من القطع بينها 3,000 قطعة في عدن وأبين، وتهريب 2,610 قطع أثرية، إلى جانب التدمير المنهجي لمؤسسات الدولة عبر استهداف 63 منشأة حكومية بغارات التحالف أدت إلى استشهاد 317 وجرح 218 وتدمير الميليشيات التابعة للتحالف لـ 35 منشأة أخرى، وتنفيذ 530 عملية نهب للأصول الثابتة أسفرت عن استشهاد 47 وجرح 76 واختطاف 69.
وأبرز تقرير المركز أن هذه الأفعال تشكل نمطاً بنيوياً ممنهجاً يعكس إرادة سياسية وعسكرية واضحة وقصداً جنائياً مبيتاً يرتقي إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، متسمًا بالتصاعد الزمني والتكامل العملياتي وغياب المساءلة الفعالة وشرعنة الانتهاكات عبر اختطاف المؤسسات القضائية والإدارية وتعطيل الدستور وإصدار تشريعات استثنائية ومحاكمات صورية وحجز إداري للأملاك.
كما أشار إلى سياسة الاقتصاد الحربي والنهب المنظم للموارد السيادية من خلال السيطرة على الموانئ والمطارات الاستراتيجية كميناء عدن والمكلا ومطار الريان والغيضة وتحويلها إلى قواعد عسكرية مغلقة، وتجريف الثروات المعدنية والسمكية والتنوع البيئي في أرخبيل سقطرى ونقل أشجار ونباتات نادرة خارج البلاد، وإدارة اقتصاد موازٍ خارج البنك المركزي وفرض إتاوات غير قانونية.
ورصد المركز بروز نمط صارخ للفرز على الهوية والاضطهاد المناطقي والترحيل القسري الجماعي وتفكيك النسيج الاجتماعي عبر إثارة النزاعات القبلية وتغذيتها بالمال والسلاح، فضلاً عن وجود علاقة مباشرة بين تحالف العدوان الأمريكي السعودي وتنظيمي القاعدة داعش عبر القتال المشترك والدعم المالي والتسليحي والغطاء الأمني والسياسي.
ونتيجة لهذا التدهور، عاشت المحافظات اليمنية الجنوبية المحتلة حراكاً شعبياً واسعاً وثق المركز خلاله 4,035 فعالية احتجاجية توزعت على ثلاث مراحل رئيسية (المطالبة الحقوقية، ثورة الجياع، ومرحلة الانهيار الكلي)، تركزت 50.33% منها حول انهيار الخدمات الأساسية وغلاء الأسعار، و19.03% للتنديد بالانفلات الأمن والانتهاكات، و17.32% بسبب انقطاع الرواتب والمعاشات، وتصدرت محافظة عدن النسبة الأكبر جغرافياً بـ 1895 فعالية تلتها حضرموت وأبين ولحج وشبوة والمهرة وسقطرى والضالع.
وبناءً على ذلك، حمّل تقرير مركز نداء الكرامة، التحالف الأمريكي السعودي الإماراتي المسؤولية القانونية الكاملة استناداً إلى كونه “قوة احتلال فعلي” وفقاً لمادة 42 من لائحة لاهاي ومادة 2 من اتفاقيات جنيف، ومسؤولية القائد والسيطرة الفعلية، ومسؤولية التواطؤ عبر الصمت والمساعدة، خالصاً إلى عجز منظومة الحماية الوطنية وضرورة اللجوء إلى الولاية القضائية الدولية ومحكمة الجنائية الدولية لمحاربة الإفلات من العقاب، ومقدماً توصيات حاسمة تتضمن إحالة الملف للجنائية الدولية، وتفعيل العقوبات الذكية، وانسحاب قوات تحالف العدوان فوراً، وإغلاق السجون السرية، وجبر الضرر والتعويض المادي والمعنوي للضحايا وإعادة الإعمار.





