القصص القرآني.. دروس الماضي وشواهد الحاضر

بقلم/إبراهيم محمد الهمداني
سبق وأن تحدث السيد القائد – يحفظه الله – عن أهمية ووظيفة القصص القرآني، وما يمتاز به عن غيره، بما يوجب علينا النظر إليه عند تناوله وقراءته وتحليله، بمنظور يتناسب وجوانب قداسته وغاياته، وذلك هو ما أعاد السيد القائد – يحفظه الله – التذكير به والتأكيد عليه، في مستهل المحاضرة الرمضانية الخامسة، بشأن الغاية التي أرادها الله سبحانه وتعالى، من تقديم القصص القرآني للناس، حيث يقول: “فهو لا يقدمه لنا لننظر إليه كمجرد أحداث من التاريخ، مضت وانقضت وانتهت، أو للتسلية، بل يقدمه في إطار هدايته لنا؛ لنستفيد منه إيمانياً: في ثقتنا بالله سبحانه وتعالى، وفي وعينا، وفي بصيرتنا، في فهمنا للسنن الإلهية، التي ينبغي أن نعيها جيداً، ونتحرك على أساسها في مسيرة حياتنا، وفي مواقفنا”، خاصة وأن الله سبحانه وتعالى، قد حدد المتلقي المستهدف بهذا القصص، بقوله: “لقوم يؤمنون”، أي أن إيمانهم شرط أساس لتحقيق التلقي الفاعل والأثر المطلوب، كما يقول السيد القائد: “فتكون ثمرة إيمانهم: ثقتهم القوية الراسخة بالله سبحانه وتعالى، وبوعده الحق، وثباتهم، وصمودهم حتى في أحلك الظروف، وأصعب المراحل”، ذلك لأن القصص القرآني – في مصداقيته – لا يكتفي بتوثيق تجارب إنسانية غابرة، بلغة المشاعر والخيال، كما هو شأن غيره من القصص الإنساني، وإنما هو ينقل – بكل مصداقيه ودقه – مواقف وأحداث تضمنت طبيعة الصراع الوجودي بين الخير والشر، ودور السنن الإلهية في صياغة المآلات والنهايات، وإذا كانت التجارب الروائية والقصصية، تقدم للمتلقي خلاصة تجربة إنسانية ما، فإن ما يقدمه القصص القرآني، هو الحقيقة الدامغة والحجة القائمة، التي تلزم المتلقي باتباع النهج القرآني، والسير في طريق السنن الإلهية الحقة، للوصول إلى النتائج الكونية الحتمية، والوعود والسنن الإلهية المطلقة، على اختلاف الأزمنة والأمكنة.
مستضعفو الأمس طغاة اليوم
ربما كان عنصر الزمن، كفيلا بتغيير أدوار الشخصيات، وتحولات مركزية المكان، لكن ذلك لا يلغي واحدية وثبات طبيعة الحدث، بوصفه الثابت الكبير، في جوهر الصراع الوجودي، فقد يتحول المستضعف إلى طاغ مستكبر جبار، وقد تتغير وتتبدل الأمكنة/ ميادين الصراع، بينما تبقى طبيعة الصراع، متمحورة حول مركزية الإجرام والتوحش والاستكبار، الذي يمارسه الطغاة المستكبرون، في سبيل استعباد المستضعفين، وبهذه النظرة التأملية الواسعة، العابرة لمسارات الزمن والمكان، قدم السيد القائد – يحفظه الله – منهجا تحليليا رائدا، في قراءة المسار العام للأحداث التاريخية المتعاقبة، من منظور متقدم متفرد غير مسبوق أو مطروق، حيث يقول: “نحن كأمة مسلمة، في هذه المرحلة من تاريخنا، في ظروف معروفة، في حالة من الاستضعاف والاستهداف، ونرى قوى الطاغوت المستكبرة، الظلامية، المجرمة، وهي تتحرك بكل وضوح في أهدافها العدوانية، وبممارساتها الإجرامية الظالمة، وقد تبدلت الأدوار، فالذين كانوا من المستضعفين، عندما نقرأ قصة نبي الله موسى عليه السلام، وصراعه مع فرعون، أولئك الذين كانوا من المستضعفين في تلك المرحلة، هم في عصرنا، وفي زمننا، هم الطغاة، الذين حلوا محل فرعون في طغيانه، وفاقوه في إجرامه، وفي عتوه، وعلوه، واستكباره، والله قدم لنا الدروس من تاريخهم؛ حتى نوقن أن بالإمكان أن تتغير الأحوال، وحتى تتعزز ثقتنا بالله سبحانه وتعالى”.
وفي سياق التحليل التماثلي، يشخص السيد القائد – يحفظه الله – استراتيجيات الإجرام والخداع والتضليل، التي يمارسها طغاة وجبابرة وفراعنة العصر، الإسرائيلي والأمريكي، في فلسطين عامة وغزة خاصة، تحت عناوين مختلفة؛ مثل مجلس ترامب، “الذي يسمونه ب مجلس السلام! وما يأتي في إطاره من عناوين، وكلمات براقة ومخادعة، إلا أنهم واضحون على المستوى العملي بالجرائم اليومية، في اعتداءاتهم ضد الشعب الفلسطيني، واستهدافهم المتصاعد للمقدسات الإسلامية، للمسجد الأقصى في المقدمة، وقد أضافوا المزيد من القيود والحواجز، التي تضيق على المصلين فيه، وهذه هي خطوة خطيرة جدا، خطوة عدائية بكل ما تعنيه الكلمة، وهي في مسار تصاعدي لاستهداف المسجد الأقصى”. إلى غير ذلك من سياساتهم الإجرامية القمعية التسلطية، بحق سكان القدس والمسجد الأقصى، التي يمهدون من خلالها لتغييب المسجد الأقصى، كمعلم إسلامي مقدس عظيم، واستبداله بهيكلهم المزعوم، في خطوات ترويضية متدرجة، كما يؤكد السيد القائد يحفظه الله، أن الهدف من ذلك، هو لكي يقتلوا “رد الفعل من جانب المسلمين، ومستوى التفاعل، ويحاولون أن يصلوا بهذه الأمة إلى أن تكون أمة لا مبالية، تتغاضى عن كل ما يصنعون، حتى يحدث ما هو خطير جدا، وفي نفس الوقت يستمرون في جانب آخر؛ في تمديد الفترات للمغتصبين اليهود الصهاينة، في اقتحامهم للمسجد الأقصى، في تدنيسهم له”، وهذه الحال التي بلغها المسلمون اليوم، تماثل حال بني إسرائيل، عندما استضعفهم فرعون، ووصل بهم الأمر إلى مرحلة
متقدمة ومخيفة من اللامبالاة، وهم يرون أبناءهم يذبحون، ونساءهم تستحيا وتستخدم للإفساد والسخرة.
ويستمر القاتل المجرم فرعون العصر، الإسرائيلي والأمريكي، في ارتكاب جرائم القتل اليومية، والنسف للمباني، والتجويع والتضييق والحصار، والانتهاكات المستمرة في الضفة ولبنان، وممارسة الخروقات الواضحة للهدنة، ويضيف السيد القائد – يحفظه الله – “من آخر ما سمعناه: تصريحات السفير الأمريكي لدى اليهود الصهاينة، وهو يقول بكل وضوح – وهو مسؤول أمريكي، يعبر عن سياسات بلده، عن توجهات إدارته – يقول: (أن من الجيد إذا سيطرت إسرائيل على الشرق الأوسط، فلها حق توراتي فيه من النيل إلى الفرات)، هكذا بكل صراحة، وله تصريحات كثيرة جدا، يؤكد فيها هذه المسألة: الموقف الأمريكي الداعم للعدو الإسرائيلي، في مسعاه للسيطرة على هذه المنطقة، وعلى شعوبها، وبلدانها، وثرواتها، فيما يعبرون عنه ب {السيطرة على الشرق الأوسط}، وفيما يعبرون عنه ب{إسرائيل الكبرى}”.
سبيل الخلاص
يقول السيد القائد – يحفظه الله – : “يجب أن نعي أننا أمة مستهدفة، وأننا أمة تواجه هذا الطغيان الإسرائيلي الأمريكي اليهودي المخادع من جهة، والذي أيضا اتجاهه الإجرامي مكشوف وواضح، وكذلك عناوينه المعبرة عن أهدافه صريحة وواضحة”، ويضيف “فإذا نحن بحاجة إلى سبيل الخلاص، وسبيل الخلاص واضح، الأمل الوحيد لهذه الأمة وطريق النجاة لها، هو: باعتصامها بالله، (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم)”، مؤكدا في هذا السياق، عدم جدوى المسارات الأخرى، كونها “مسارات استهلاكية، واستنزافية، ومضيعة للوقت، ومضيعة للجهود، حينما تراهن عليها الأمة، حينما تعلق عليها كل آمالها، هي سرابٌ (بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا)، والتجارب تثبت ذلك على مدى عقود من الزمن مضت، حتى لما يسمى ب{السلطة الفلسطينية}، وما علقت عليه آمالها من اتفاقيات (أوسلو) وما بعدها”، لأن هذا العدو لا مناص للأمة إلا بمواجهته، إلا السعي للتخلص منه، ويتساءل السيد القائد قائلا: ولكن كيف؟ ثم يجيب بقوله: “على أساس الاعتصام بالله، والرجوع إلى هديه، إلى نوره المبارك، في نوره المبارك، في هديه العظيم في القرآن الكريم، يقدم الله لنا صورة متكاملة عن أعدائنا، من هم؟ وكيف هم؟ وتشخيصا دقيقا حتى لنفسياتهم، لسلوكياتهم، لدوافعهم، لأهدافهم، وحتى عن سلوكياتهم الإجرامية، ونرى المصاديق لذلك، والشواهد الواضحة في أرض الواقع بشكل يومي”، خاصة وأن الله تعالى لا يرضى لنا البقاء على هذه الوضعية، من الاستضعاف والذل والقهر والاستسلام لأعدائنا، وهو الرحيم بنا، الحريص على خلاصنا، (وما الله يريد ظلما للعالمين)، (وما الله يريد ظلما للعباد)، بشكل عام، فما بالك بأوليائه.
التدبير الإلهي لخلاص المستضعفين
من سنن الله القوي القهار الجبار، أنه لا يترك المجال للطغاة، يستبيحون المستضعفين ويسحقونهم، دون أن يقدم لهم سبيل الخلاص والإنقاذ اللازم، وحين يبلغ الظالمون ذروة تجبرهم واستكبارهم، يبدأ العد التنازلي في نهايتهم المحتومة وزوالهم المؤكد، حيث يأتي التدبير الإلهي للخلاص، إلى واقع الناس أنفسهم، ليتحقق على أيديهم، إذ لا يكفي الدعاء على الظالمين والانتظار، بل يجب التحرك وفق هدى الله وسننه، في المسار الذي يبينه السيد القائد – يحفظه الله – بقوله: “ويأتي ذلك أيضا في إطار المهام المقدسة والعظيمة في حمل رسالة الله تعالى، يعني: يتحرك المستضعفون وهم يحملون مشروعا إلهيا مقدسا وعظيما، لإقامة القسط والعدل، ولإقامة الحق”، ويعزز السيد القائد تلك السنة الإلهية الثابتة، بشاهد من القصص القرآني، من قصة موسى عليه السلام، والكيفية التي تحقق بها خلاص بني إسرائيل، حيث يقول: “أتى الخلاص للمستضعفين، الذين استضعفهم فرعون بطغيانه، على يد نبي الله موسى عليه السلام، في إطار مهمته الرسالية المقدسة، التي كان من أبرز العناوين والمهام فيها: إنقاذهم، وإقامة الحجة على فرعون وقومه، وتقديم الهدى إليهم، يعني: قدم الهدى، وعرض طريق الخلاص والصلاح والفلاح حتى على فرعون نفسه، ثم العمل على التحرك بأولئك المستضعفين كمؤمنين بتلك الرسالة، وما عليهم في ذلك من التزامات عملية، ومسؤوليات مقدسة”، وبهذا ندرك أن الخلاص لا يأتي للأمة من خارجها، وهي خاضعة مستسلمة، بل هي مادة الخلاص وحاملة رسالة التغيير، الذي يبدأ من رفضها لواقعها، ثم التجائها إلى الله تعالى، والعمل بالأسباب والسنن، للوصول إلى الوعود الإلهية الحتمية، وذلك ينطبق على أمتنا الإسلامية اليوم، التي بلغت أنهى درجات ضعفها وتخاذلها، وبلغ عدوها الإسرائيلي الأمريكي المستكبر، ذروة مستويات استكباره وغطرسته وتسلطه وتجبره، ولم يبق إلا أن تتحرك الأمة، وتنفض عن نفسها غبار الذل والخضوع، وتعمل بمقتضى سنن الخلاص، لتحظى بالنصر والتأييد الإلهي.
في ختام محاضرته لهذا اليوم المبارك، عاد السيد القائد – يحفظه الله – بالحديث إلى قصة موسى عليه السلام، على ضوء الآية القرآنية المباركة: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنَّا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين)، سنؤجل تلخيص محاورها، إلى المحاضرة القادمة – إن شاء الله تعالى – لتقديم رؤية أكثر شمولية ووضوحا.




