المقالات

استراتيجيّو الحملات الانتخابية في الحزب الجمهوري يميلون إلى «التبرؤ الهادئ» من ترامب

 

بقلم: علي حسن مراد..متخصص في الشؤون الامريكية

تتفاقم أزمة الحزب «الجمهوري» مع اقتراب الانتخابات النصفية، تحت وطأة تداعيات الحرب على إيران وتراجع شعبية ترامب. يأتي هذا فيما تعمّق الانقسامات الداخلية ومغامرات ساكن البيت الأبيض مخاوف خسارة الأغلبية في الكونغرس.

يشنّ ترامب «حملة انتقام» شرسة لتصفية حساباته السياسية مع مشرّعين «جمهوريين»

 

تعيش الساحة السياسية الأميركية حالاً من الغليان والترقّب غير المسبوقَين مع اقتراب موعد انتخابات «الكونغرس» النصفية، المقرّرة تشرين الثاني المقبل. إذ تجتمع التداعيات الاقتصادية السلبية الناجمة عن الحرب على إيران، مع الانقسامات الحادّة داخل الحزب «الجمهوري»، وهو ما يضع أغلبية الأخير في غرفتَي التشريع على المحكّ، ويلقي بظلاله على المستقبل السياسي للرئيس الأميركي، دونالد ترامب. ويأتي هذا فيما تتلقّى الإدارة الأميركية ضربات موجعة على صعيد الرأي العام؛ إذ أظهرت أحدث استطلاعات الرأي تراجعاً حاداً في معدلات التأييد الشعبي لترامب، التي انحدرت بشكل غير مسبوق لتصل إلى 36%، وهي النسبة الأدنى التي تسجَّل منذ توليه الرئاسة الحالية، وذلك كنتيجة مباشرة للآثار الاقتصادية الثقيلة التي خلّفتها الحرب على إيران. وتشير تلك الاستطلاعات الصادرة عن مركز «بيو» (Pew Research)، إلى أن 62% من المواطنين الأميركيين يرفضون تماماً طريقة تعامل ترامب مع هذه الحرب، في حين يرى 59% منهم أن قرار اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية كان خياراً خاطئاً من الأساس.

 

وكان تُرجم هذا التراجع، في الغضب الشعبي الملموس في الشارع الأميركي، خاصة بعدما تجاوزت أسعار الوقود، مع تفاقم أزمة إغلاق مضيق هرمز، عتبة الـ4.5 دولارات للغالون الواحد. إذ أدّى ذلك الارتفاع المفاجئ، وما رافقه من تزايد في تكاليف المعيشة، إلى تبديد التأثيرات الإيجابية التي كان يُعوّل عليها «الجمهوريون» لقانون التخفيضات الضريبية الأخير، دافعاً شريحة واسعة من الناخبين – بمن فيهم 20% من قاعدة ترامب الانتخابية الصلبة – إلى الشعور بخيبة أمل عميقة، باعتبار أن ساكن البيت الأبيض يركّز جهوده على الشؤون الخارجية، فيما يتجاهل الأزمات المعيشية الملحّة في الداخل. وممّا زاد من تعقيد المشهد، افتعال ترامب أزمات جانبية. فبدلاً من التركيز على احتواء الأزمات المتفاقمة، شنّ الرئيس هجوماً على شخصيات عالمية، من مثل بابا الفاتيكان لاون الرابع عشر، فيما استمرّ في تهديد رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، بالإقالة. ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، بل أثار ترامب غضباً واسعاً وغير متوقَّع في أوساط قاعدته من الإنجيليين المحافظين، وذلك إثر نشره – ثمّ حذفه – صورة تهكّمية (ميم) شبّه فيها نفسه بالمسيح، وهو تصرُّف اعتبره مؤثّرون محافظون، على غرار إريك إريكسون، خطأً فادحاً يضرب قدرة «الجمهوري» على توحيد صفوفه.

 

نرجسية ترامب تضرب حزبه

علاوة على ذلك، يشنّ ترامب «حملة انتقام» شرسة لتصفية حساباته السياسية مع المشرّعين «الجمهوريين» الذين تجرّأوا على معارضة سياساته في السابق، تسبّبت باستنزاف مالي وسياسي هائل داخل أروقة «الجمهوري». وتبرز ملامح هذه الحملة بوضوح في ولاية كنتاكي، حيث ضخّت لجان ترامب أكثر من 7 ملايين دولار في حملات إعلانية للإطاحة بالنائب توماس ماسي ودعم منافسه. كما تمتدّ هذه المعارك لتشمل استهداف السيناتور، بيل كاسيدي في لويزيانا – بسبب تصويته لصالح عزل ترامب خلال ولايته الأولى -، فضلاً عن سبعة نواب محلّيين في إنديانا. وبلغ التدخُّل حدّ عرض وظيفة حكومية على مرشح في لويزيانا لإقناعه بالانسحاب وتعبيد الطريق أمام مرشحة يدعمها ترامب.

 

يميل استراتيجيّو الحملات الانتخابية في «الجمهوري» إلى «التبرؤ الهادئ» من ترامب

 

أمّا الصدام «الترامبي» مع النائب توماس ماسي، فيكتنف بعداً أيديولوجياً عميقاً يتجاوز الخلافات الشخصية، كونه يعكس مواجهة مع تيار «جمهوريّي الحرية» (امتداد لحزب الشاي) الرافض للتدخّلات الخارجية وزيادة الدَّين القومي. وتعود جذور هذا الخلاف إلى معارضة ماسي للحرب على إيران وللتخفيضات الضريبية المكلفة، فضلاً عن قيادته تحرّكاً تشريعياً أجبر وزارة العدل على نشر الملفات السرّية الخاصة بجيفري إبستين، في تحدٍّ قوي لرغبات ترامب، وهو ما يفسّر إصرار الأخير على «تطهير» الحزب من هذه الأصوات المستقلّة.

 

وفي سياقات أخرى حسّاسة ومتقاربة في ولايات من مثل تكساس وجورجيا، يواجه ترامب حالاً يُصطلَح على تسميتها «شلل التأييد»؛ إذ يتوجّس الرئيس من منح تأييده لأيّ مرشّح خوفاً من خسارته لاحقاً، مما قد يشوّه سجلّ الرئيس الذي يتباهى بخطوات تأييد «مثالية بنسبة 100%». وأدّى هذا التردّد إلى معارك تمهيدية طاحنة قسّمت قاعدة ترامب الانتخابية، وأهدرت ملايين الدولارات التي كان يمكن ادّخارها لمواجهة المنافسين «الديمقراطيين» في الانتخابات المقبلة.

 

وفي خضمّ ذلك، تشير البيانات الإحصائية إلى تحوّل كبير يهدّد الأغلبية «الجمهورية» في مجلسَي الشيوخ والنواب، حيث بات سيناريو سيطرة «الديمقراطيين» عليهما أمراً ممكناً جداً، بعدما كان يبدو شبه مستحيل. وتُظهر استطلاعات الرأي العام تقدُّم «الديمقراطيين» بمعدل 5.2 نقطة مئوية (48.4% مقابل 43.2%)، فضلاً عن تمكّنهم من استقطاب مرشّحين يتمتّعون بشعبية واسعة في ولايات حمراء حاسمة، مما جعلهم ينافسون بقوة في ولايات من مثل نورث كارولينا (عبر الحاكم روي كوبر)، وأوهايو (عبر السيناتور شيرود براون)، وألاسكا (عبر النائبة ماري بيلتولا).

 

أمّا في ولاية ماين، فيستفيد «الديمقراطيون» من بروز المرشح غير التقليدي، غراهام بلاتنر – وهو مزارع مَحار وجندي سابق يقدّم نفسه كـ«شعبوي تقدّمي» -، الذي تمكّن من اكتساح الاستطلاعات أمام السيناتور «الجمهورية» المخضرمة سوزان كولينز. وتتّسع رقعة الخطر هذه لتشمل معاقل «جمهورية» أخرى من مثل تكساس، حيث يواجه المرشح «الجمهوري»، كين باكستون، تحقيقات فدرالية بتهم تتّصل بالرشوة، وآيوا التي يعوّل فيها «الديمقراطيون» على غضب المزارعين المتضرّرين من الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب.

 

*الجمهوريون يتبرّأون من رئيسهم*

 

نقلت تقارير صحافية أميركية معلومات عن ميل متصاعد لدى استراتيجيّي الحملات الانتخابية في «الجمهوري» إلى ما سُمّي بـ«التبرؤ الهادئ» من ترامب، وذلك في اجتماعات مغلقة تهدف إلى إعادة صياغة خططهم الانتخابية، وتدارك الانهيار الذي تسبّبت به سياسات الرئيس، خاصة في ظلّ الآثار الاقتصادية للحرب على إيران. وترتكز خطط هؤلاء على القضايا المحلّية والسياسات الاقتصادية المحافِظة، في محاولة لتجنُّب جعل الانتخابات النصفية «استفتاءً» على شخص ترامب وإخفاقات إدارته، وخوفاً من أن يؤدّي الارتباط الوثيق به إلى تدمير فرص مرشّحي الحزب في الدوائر التنافسية.

 

 

ويترافق ما تقدّم مع حال من «الندم الشديد» في أوساط «الجمهوريين» بسبب استراتيجيتهم الهجومية لإعادة رسم حدود الدوائر الانتخابية (Redistricting)، والتي ضغَطَ ترامب لتنفيذها بهدف حماية أغلبية حزبه ومنع تعرُّضه لـ«عزل ثالث» في الكونغرس. إذ إن هذه الاستراتيجية جاءت بنتائج عكسية كارثية؛ فبعد تحرّكات «الجمهوريين» في تكساس، ردّ منافسوهم «الديمقراطيون» بإعادة رسم خرائط مقاطعات ولاية فرجينيا، على نحو من شأنه أن يؤدّي إلى تقلُّص مقاعد «الجمهوريين» من خمسة إلى مقعد واحد فقط. وامتدّت المخاوف إلى فلوريدا أيضاً، حيث حذّر نواب «جمهوريون» من أن التلاعب بحدود الدوائر قد يعرّض مقاعد «الجمهوريين» الآمنة للخطر، خاصة مع تراجع دعم الناخبين اللاتينيين لـ«الجمهوري».

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى