الأخبارالأخبار العربية والدوليةمتابعات

استراتيجية إيران المتكاملة لكبح ضغوط أمريكا وتكرّيس معادلات الردع الاقتصادي والعسكري

تعيش المنطقة مرحلة مختلفة من مراحل المواجهة والصراع المفتوح مع أمريكا وحلفائها، وتجلت أبعاد هذه المواجهة في التلاحم البنيوي بين الإدارة السياسية، والسلطة النقدية، والمؤسسة العسكرية في إيران؛ حيث صاغت الجمهورية الإسلامية معادلة مواجهة شاملة تُسقط الرهانات الأمريكية والصهيونية على إخضاع الدولة عبر الحصار والضغوط المالية أو التهويل العسكري.

ووفقًا للمعطيات والتطوّرات الميدانية خلال الساعات الـ 24 الماضية؛ فأنّ إيران وهي تتجاوز التهديدات وتحوّل الحروب المفروضة عليها إلى بيئةٍ خصبة لتطوير قدراتها الذاتية وتحقيق الاكتفاء الذاتي المباشر؛ انتقلت اليوم بوضوح وبثبات استراتيجي من موقع الدفاع المباشر إلى وضع قواعد ردع هجومية متقدمة تُربك حسابات أمريكا وتجعل من أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري سلاحًا مرتدًّا على صانعيه.

وفي ظل تعاظم المكتسبات التي حققتها الجمهورية الإسلامية وجبهة الجهاد والمقاومة والتنسيق الإقليمي المرتكز على عمق العلاقات مع العراق وسلطنة عُمان، تتبدى جليًّا ملامح نظام إقليمي جديد تُسهم فيه طهران بفرض شروطها وتأمين أمن المنطقة واقتصادها بإرادتها وذراعها الذاتية القوية وبمعزلٍ عن الهيمنة الأمريكية.

وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال زيارته لمقر البنك المركزي للجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم الأربعاء، موقفًا حاسمًا بشأن قدرة البلاد على مواجهة الحرب الاقتصادية، مؤكّدًا أن الولايات المتحدة، وكما عجزت عن تحقيق أيّ مكسب ميداني أو سياسي خلال فترة الحرب في ظل البسالة المشهودة للقوات المسلحة والإسناد والشعبي العارم؛ فإنها لن تنجح في هذه المرحلة أيضًا في استغلال الضغوط الاقتصادية للوصول إلى مآربها، وذلك بفضل التدابير المحكمة والخطط الموضوعة من قبل القطاعات الاقتصادية في الحكومة.

وشدّد الرئيس بزشكيان على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية صمدّت بوجه هذه الضغوط وتواصل صمودها بثبات، داعيًا إلى ضرورة استمرار الاستقرار الاقتصادي وكبح التوقعات التضخمية في ظل ظروف الحرب والحصار والضغوط الخارجية، وموضحًا أن إدارة الأسواق الرئيسية، ولا سيما سوقي العملات والمال، تتطلب انسجامًا وتآزرًا كاملاً بين السلطة النقدية والحكومة وسائر الأركان الاقتصادية في الدولة.

ورحب بزشكيان بالأفكار والمقترحات الاقتصادية المطروحة خلال الاجتماع، داعيًا إلى دعم وتفعيل الآراء التخصصية للخبراء والأكاديميين والاستفادة من طاقات أساتذة الجامعات في مختلف المشاريع، ومطالباً باستمرار عقد هذه الجلسات في مجالات السياسات النقدية والصرفية والمصرفية، معربًا عن تقديره لجهود القطاعين العام والخاص في هذا “الجهاد الاقتصادي” لتأمين الاحتياجات المعيشية للشعب والحفاظ على استقرار الأسواق، ومبيّنًا أن نهج الدولة يرتكز على التفاهم وحل القضايا عبر التعامل والتفاوض، لكنها تقف في الوقت ذاته بحزم وقوة في وجه الضغوط الاقتصادية ولن تتراجع أمام الإملاءات الأمريكية.

ومن جانبه، شدّد رئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران الدكتور محمد باقر قاليباف، خلال لقائه رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي “فائق زيدان”، على حتمية الهزيمة الأمريكية، مبيّنًا أن أمريكا هُزمت أمام إيران عسكريًا وسياسيًا وستُهزم حتمًا على الصعيد الاقتصادي.

وأشار قاليباف إلى أن الولايات المتحدة مُنيت بهزيمة نكراء أقر بها العالم أجمع بفضل دماء الشهداء وجهود الشعب وجبهة المقاومة، واصفًا خروج قوات التحالف الذي تقوده واشنطن من العراق؛ بأنه فخر تاريخي للحكومة والشعب العراقي، ومبديًا أمله في أن يتحقق الانسحاب كاملاً برًّا وجوًّا.

وأضاف أن إيران والعراق قادران على لعب دور حاسم في النظام الإقليمي وخاصة في منطقة الخليج، محذّرًا من أن خطة كيان العدو الصهيوني كانت تستهدف امتداد الحرب إلى دول أخرى، ولو استطاع الانتصار على إيران لفعل ذلك.

وبدوره، نقل رئيس المجلس الأعلى القضائي في العراق “فائق زيدان”، رسالة تضامن شعبية ورسمية من بغداد إلى طهران، معلنًا الاستعداد الكامل للتعاون والتنسيق الشامل مع إيران.

على الصعيد العسكري والميداني، أكّد المتحدث باسم الجيش الإيراني العميد “محمد أكرمي نيا”، في تصريحٍ لوكالة “مهر” للأنباء، أن إيران ماضية في تعزيز جاهزيتها عبر إنتاج وشراء معدات جديدة، وأن القوات المسلحة ستنتقل من المواقف الدفاعية إلى تبني مواقف هجومية وصولاً إلى تحقيق ردع كامل ضد أيّ تهديدات، لافتًا إلى أن الحرب الأخيرة كانت فرصة كسب منها الجيش الإيراني خبرات وتجارب ثرية.

وفي سياق تعزيز قدرات الجو والردع، كشف قائد قوات الدفاع الجوي في الجيش وقائد مقر “خاتم الأنبياء (ص)” المركزي العميد “علي رضا الهامي”، اليوم الأربعاء، عن استمرار إنتاج واستبدال أنظمة الدفاع الجوي بالاعتماد على المعرفة والقدرات المحلية بنسبة 100%.

وأوضح العميد الهامي أن الخبرات المستفادة من “الحرب المفروضة الثانية” (حرب الـ 12 يومًا) تم توظيفها في “الحرب المفروضة الثالثة” (حرب رمضان)، ما أثمر عن إسقاط عددٍ كبير من الطائرات المسيّرة الاستراتيجية والمقاتلات التابعة للعدوّ، مؤكّدًا أن هذه التجارب أدت إلى إجراء تغييرات تكتيكية وتطوير توزيع ونشر الأنظمة الناجحة وزيادة إنتاجها وإضافة أنظمة جديدة تعتمد كليًّا على الخبرة الإيرانية.

وفي إطار السيطرة الميدانية والبحرية، أعلن المتحدث باسم الحرس الثوري الإسلامي العميد “حسين محبي” أن مضيق هرمز بات تحت السيطرة الكاملة للقوات الإيرانية، مؤكّدًا عدم وجود أيّ سفينة عسكرية للعدو داخل الخليج، بعد ابتعاد السفن الحربية للعدو مسافة لا تقل عن 400 كيلومتر عن المضيق، ومشدّدًا على أنه لا تستطيع أيّة سفينة العبور من هذا الممر المائي دون إذن وإدارة من إيران، وأن الممر المائي المحاذي لسلطنة عُمان يخضع أيضًا لسيطرة طهران الكاملة.

وكشف عن مفاوضات جرت مع عُمان قبل نحو شهر أسفرت عن اتفاقات قبلها الطرفان بشأن حصة كل منهما من المياه والعائدات، موضحًا أن الملاحة تظل معطلة بسبب العرقلة الأمريكية، ومشدّدًا على أنه إذا تخلت أمريكا عن عرقلتها وعادت إلى مذكرة التفاهم وقبلت بشروط إيران فيمكن فتح المضيق، وإلا فإن مضيق هرمز لن يُفتح بأيّ حالٍ من الأحوال.

وعلى الصعيد الدبلوماسي والاستراتيجي، أكّد نائب وزير الخارجية الإيراني “كاظم غريب آبادي”، أن إيران ما زالت في حالة حرب، مشدّدًا على أن مضيق هرمز سيبقى مغلقًا، وأن السماح بالمرور يقتصر على السفن التجارية وفقًا لمذكرة التفاهم، لافتًا إلى بدء مفاوضات مع سلطنة عُمان لتنسيق ممر جديد لعبور السفن بدلاً من الخطة السابقة، ومؤكّدًا أن إعادة فتح المضيق مرتهنة بإنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما فيها رفع الحصار وانهاء العدوان على اليمن.

كما شدّد “آبادي” على أن إيران هي الجهة الوحيدة التي تمتلك الخرائط الدقيقة لمواقع الألغام في المضيق، وأن تصريحات ترامب بشأن إزالتها مجرد محاولة لتهدئة الأسواق، محذّرًا من أن كاسحات الألغام الأمريكية ستكون أهدافًا سهلة ومباشرة للقوات الإيرانية، وأن طهران ستكشف عن قدرات مفاجئة جديدة إذا استمرت الإجراءات الأمريكية، مذكّرًا واشنطن بأنها ليست الطرف الوحيد القادر على إلحاق الضرر بالاقتصاد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى