تقارير وحوارات

أكاديميون وسياسيون: فتاوى التكفير السعودي لن تسقط مشروعية اليمنيين في مواجهة العدوان والحصار

تقرير| محمد ناصر حتروش: يستمر العدو السعودي في توظيف الجانب الديني بما يخدم أجندته السياسية في اليمن، حيث أصدر مفتي المملكة صالح الفوزان فتوى بتكفير اليمنيين والدعوة إلى قتالهم، معتبرًا ذلك من “أوجب الواجبات”، في محاولة لإلباس جرائم سفك دماء اليمنيين وتكريس الاحتلال والحصار ثوبًا دينيًا وشرعيةً باطلة.

ويرى أكاديميون وسياسيون أن هذه الفتاوى التكفيرية لن تنطلي على العالمين العربي والإسلامي، ولن تُسقط مشروعية اليمنيين في الدفاع عن أنفسهم، وتحرير أراضيهم من الاحتلال السعودي، والعمل على رفع الحصار وإنهائه.

وفي السياق، يصف عضو المكتب السياسي لأنصار الله، محمد الفرح، الفتوى التي أصدرها الشيخ صالح الفوزان، مفتي المملكة العربية السعودية، والتي كفّرت أبناء اليمن ودعت إلى قتالهم، بأنها قائمة على دعاوى باطلة، مؤكدًا أن ما ورد فيها أكاذيب وافتراءات وبهتان لا أساس له من الصحة.

ويوضح في حديث خاص للمسيرة أن المغزى من هذه الفتوى سياسي، مبينًا أن المملكة العربية السعودية اتخذت الفتوى الدينية أداة لتحقيق مآرب وأهداف سياسية، وموضحًا أنه عندما يختلف معها أحد سياسيًا، تذهب إلى تكفيره، إما أن يسلمها أرضه ويتحول إلى عبد خاضع لها أو مرتزق يسيره ضابط أو عنصر استخباراتي في اللجنة الخاصة، وإلا أصبح في نظرها كافرًا مجوسيًا يسب الصحابة.

وينتقد توظيف الفتوى ضد كل من يعادي “كيان العدو الإسرائيلي” ويساند فلسطين، متسائلًا عن عدم صدور مثل هذه الفتاوى ضد من أساؤوا إلى رسول الله، أو حرّفوا القرآن الكريم وأحرقوه، أو أساؤوا إلى الله جل شأنه.

ويحثّ الفرح الشيخ صالح الفوزان على إصدار فتوى ضد العدو الإسرائيلي الذي قتل أكثر من مئتي ألف مسلم في قطاع غزة، موضحًا أن توظيف الفتوى يأتي ضمن استراتيجية للحشد، تشمل قضايا الملاحة البحرية والمقدسات الإسلامية.

ويبيّن أن السعودية تحاول تخويف المسلمين فيما يتعلق بالمقدسات، وصولًا إلى الكعبة المشرفة، وحشد الآخرين للوقوف في صفها وخدمة ما وصفه بسياسات النظام السعودي الإجرامية والفاشلة، فضلًا عن السعي إلى تحويل مشكلاتها إلى قضايا تخص العالم والمسلمين عمومًا.

ووفقًا للفرح، فإن الفتوى تستهدف تصوير اليمنيين الذين يدافعون عن أعراضهم وأرضهم، ويسعون لإخراج المحتل من بلدهم ورفع الحصار عن شعبهم، بأنهم كفار ورافضة ومجوس وأذرع لإيران، وأنهم لا يمتلكون أي مشروع، معتبرًا أن ذلك يأتي في إطار توظيف الخطاب الديني لخدمة أهدافه السياسية والعدوانية في اليمن.

بدوره، يعتبر عضو المكتب السياسي لأنصار الله، حزام الأسد، أن الجانب الديني في السعودية مرتبط بالنظام الحاكم، المرتهن للسياسات والتوجهات والإملاءات الأمريكية والإسرائيلية والغربية، لافتًا إلى أنه خلال المذابح الإنسانية بحق أهالي غزة لم يُسمع صوت من وصفه بالمفتي أو برجال الدين.

وفي حديثه لقناة المسيرة، يوضح الأسد أنه عندما استُقدمت العاهرات والخنا والفجور إلى أرض الحرمين الشريفين، قُدّمت تبريرات لهذا التوجه والانحلالي، بينما عندما ينهض الشعب اليمني بمواقف تدافع عن ذاته وسيادته، ويرنو إلى الانعتاق للحرية وكسر الحصار المفروض عليه، تخرج تلك الأبواق لتكفير أبناء الشعب اليمني، باستحضار مصطلحات ممزوجة ومستهلكة، أو عبر ما رُوّج مؤخرًا من أن شعب الإيمان والحكمة يستهدف الحرمين الشريفين.

ويصف الأسد ذلك بالمفارقة بين الخنوع والسكوت عما جرى لأهل غزة من إبادة جماعية ارتكبها الكيان الصهيوني بدعم وإسناد ومشاركة أمريكية، بل ومشاركة، للأسف، من تلك الأنظمة التي تسير تلك الأبواق المتشددة باسم الدين.

ويثمّن الأسد موقف الشعب اليمني، معتبرًا أنه موقف مشرف ومنسجم مع المبادئ الدينية والقرآن الكريم والقيم الأخلاقية، موضحًا أن اليمنيين يتطلعون إلى الانعتاق والحرية والاستقلال وكسر الحصار المفروض على الشعب.

ويشدد على أن الشعب اليمني تضرر كثيرًا من المعاناة جراء هذا الحصار الخانق الذي استهدفه برًا وبحرًا وجوًا، واستهدف لقمة عيشه، مضيفًا أن تلك الأبواق لا تملك غير التشدق باسم الدين ونعت اليمنيين بما يخالف حقيقتهم.

وخلص إلى أن حديث الرسول الأكرم محمد صلوات الله عليه وعلى آله وسلم “الإيمان يمان، والحكمة يمان” يتعارض تمامًا مع فتاوى التكفير الوهابية التي تصدر من العدو السعودي تجاه اليمن.

فتوى الفوزان.. أسطوانة التكفير المشروخة

وتعيد فتوى الفوزان التكفيرية بحق اليمنيين إلى الواجهة سجلًا من توظيف العدو السعودي الخطاب الديني في الصراع السياسي؛ فكلما برزت مواجهة مع النظام السعودي أو ظهر قائد يعارض توجهاته، حضرت فتاوى التكفير والتحريض على الاقتتال، بما يجعل الدين أداة بأيدي النظام السعودي لتنفذ أجندته السياسية في المنطقة.

ومن محمد علي باشا في مواجهته للنظام السعودي، إلى جمال عبد الناصر وصدام حسين وغيرهما من القادة الذين دخلوا في خلاف مع السعودية، تتكرر ملامح هذا الخطاب، لتأتي الفتوى الأخيرة في سياق النمط المألوف في السياسة السعودية.

وحول هذه الجزئية، يؤكد عضو رابطة علماء اليمن الدكتور العلامة خالد القروطي أن الله سبحانه وتعالى نهى عن رمي المؤمنين بالبهتان والزور والظلم، مستشهدًا بقوله تعالى: “والذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا”، مشيرًا إلى أن الفتوى الأخيرة الصادرة عن النظام السعودي ليست الحالة الأولى من هذا النوع.

ويذكّر القروطي بفتوى ابن باز، مفتي المملكة العربية السعودية، في نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، والتي كفّرت الزيدية في اليمن وحرّمت الصلاة خلفهم، مبينًا أن تلك الفتوى كانت مطبوعة ومنشورة، ورد عليها العلامة بدر الدين بن أمير الدين الحوثي في كتابه “الإيجاز في الرد على فتاوى أهل الحجاز”.

وفي حديثه لقناة المسيرة، يتساءل القروطي: إذا كان اليمنيون يهددون الحرمين الشريفين، فأين أموال الأمة العربية والإسلامية التي حظيت بها السعودية لبناء جيش ومنظومة دفاعية قادرة على حماية المقدسات؟ منتقدًا إنفاق الأموال على أنشطة هيئة الترفيه، بدل توجيهها إلى حماية الحرمين.

ويستحضر مواقف وفتاوى سابقة للنظام السعودي تجاه أنظمة عربية، متسائلًا عن أسباب توظيف قضية حماية الحرمين لتغطية العجز والفشل في بناء مقدرات عسكرية تحمي المملكة.

ويشدد على أن اليمنيين، كانوا وما زالوا أنصارًا لله ورسوله، وأن موقفهم من القدس ورفع الحصار ينسجم مع المبادئ الدينية، مؤكدًا أن دماءهم وأرواحهم رخيصة في سبيل حماية المقدسات، وأن العالم العربي والإسلامي شهد تضحيات اليمنيين.

ويلفت إلى أن عددًا من العلماء والكتاب والمواطنين العرب والمسلمين ردوا على الخطاب السعودي وفضحوا عواره، مؤكدًا أن اليمنيين ماضون على عهدهم مع الله ورسوله ومقدساتهم.

ويحذّر من إمعان السعودية في مواصلة استهداف اليمنيين، معتبرًا أن ملف جرائم تنومة سيبقى حاضرًا في المفاوضات والحروب والاعتداءات، إلى جانب حصيلة الضحايا اليمنيين جراء الحرب والحصار.

وخلص إلى أن حرب اليمنيين مع السعودية تهدف إلى فك الحصار، داعيًا العالم العربي والإسلامي إلى الاطلاع على معاناة اليمنيين جراء نقص العلاج والدواء، ومشددًا على حق اليمنيين في الخروج والدخول إلى وطنهم دون وصاية خارجية.

من جانبه، يصف نائب رئيس جامعة صنعاء، الدكتور حمود الأهنومي، الفتوى بأنها مؤسفة، مستغربًا صدورها بهذا المستوى من الفجاجة والتكفير للمسلمين، والدعوة إلى قتال قوم شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإيمان، حين قال: “الإيمان يمان”.

وفي حديثه لقناة المسيرة، يعتبر الأهنومي أن استخراج هذا الصوت التكفيري من “الرفات والرمي”، في حين لا يظهر الصوت ذاته في الدعوة إلى الجهاد في الحالة الفلسطينية، أمر يبعث على الأسف، متسائلًا عن غياب مثل هذه الدعوات بينما دُمرت غزة وتعرضت للقصف، وقُتل المسلمون فيها، ولم يجد هؤلاء من يتحدث عن الجهاد أو يدعو إليه.

ويلفت إلى أن الفتنة حين تقع بين المسلمين، والعدوان على المسلمين يكون مشهودًا من العالم أجمع، يظهر مثل هذا الخطاب التكفيري، معتبرًا أن ذلك يدل على تحرك أصحاب هذه الفتاوى بقرارات وتوجيهات سعودية وأمريكية لإيجاد فتنة بين المسلمين.

ويشدد على أن الأولى بهذه الفتاوى أن تتوجه نحو فلسطين وتحريرها، وإنشاء جبهة ضد اليهود المحتلين الغاصبين، بدلًا من توجيهها ضد الشعب اليمني الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإيمان والحكمة.

 

نقلا عن موقع المسيرة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى