المقالات

العراق واختبار السيادة الكبير.. هل هو نهاية مهمة التحالف أم انتقال إلى مرحلة أكثر تعقيدًا؟

بقلم/الناز رحمت نژاد

بينما تحتفل بغداد في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) بـ «يوم السيادة»، يكشف تاريخ العقدين الماضيين في العراق أن السيادة تظل مقولة محفوفة بالتحديات، فرغم أن إنهاء مهمة التحالف الدولي يمثل خطوة إجرائية مهمة، إلا أنه يثير تساؤلًا جوهريًا: هل تحققت السيادة الحقيقية، أم أن شكل التبعية هو الذي تغير؟

أعلنت بغداد الأول من أكتوبر «يومًا للسيادة»؛ وهي مناسبة تتزامن مع الإنهاء الرسمي للمهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بعد سنوات من الوجود.. هذا التحالف الذي تشكل عام 2014 بناءً على طلب رسمي من الحكومة العراقية آنذاك لمواجهة «داعش»، من المقرر الآن، مع انتهاء الاتفاقيات العسكرية، أن يعيد تعريف علاقاته الأمنية ضمن أطر التعاون الثنائي.

ومع ذلك، فإن إلقاء نظرة على تاريخ العقدين الأخيرين في العراق يظهر أن هذه ليست المرة الأولى التي تتحدث فيها بغداد عن «استعادة السيادة» وتحتفل بها، فمنذ عام 2003، ارتبطت خمس محطات تاريخية على الأقل برواية «استعادة السيادة»:

1)     2004 (حكومة إياد علاوي): نقل السلطة من سلطة الائتلاف المؤقتة إلى الحكومة العراقية المؤقتة.

2)     2009 (حكومة نوري المالكي الأولى): انسحاب القوات الأمريكية من المدن والتمركز في القواعد العسكرية.

3)     2011 (حكومة نوري المالكي الثانية): الانسحاب الكامل للقوات القتالية الأمريكية بموجب الاتفاقية الأمنية.

4)     2017 (حكومة حيدر العبادي): إعلان النصر العسكري على «داعش» واستعادة الأراضي.

5)     2026 (حكومة علي فالح الزيدي): انتهاء مهمة التحالف والانتقال إلى إطار التعاون الثنائي.

في كل مرحلة من هذه المراحل، وعد العراقيون بالاستقلال الكامل، لكن الحقائق الميدانية ظلت تطرح السؤال الجوهري: هل استقرت السيادة فعلًا، أم أن نوع وشكل التبعية هما اللذان تغيرا؟

واقعيات ميدانية؛ من أنقرة إلى واشنطن

وللإجابة على هذا السؤال، يجب النظر إلى حقائق أكثر ملموسية، ففي المجال العسكري، لا يزال الوجود التركي في شمال العراق يشكل تحديًا للسيادة الإقليمية؛ رغم التوصل إلى اتفاقيات لنقل قاعدة «بعشيقة-زليكان» تدريجيًا إلى الحكومة العراقية، حيث من المقرر أن يبدأ الانسحاب التركي من الأسبوع الأول من أكتوبر، ومن المتوقع اكتماله في الربع الأول من عام 2027، ومع ذلك، فإن غياب غطاء دفاع جوي متكامل يؤكد أن سيادة «السماء» لا تزال بحاجة إلى تعزيز لسنوات قادمة.

أما على الصعيد السياسي، فلا يزال ظل التدخلات الخارجية يلقي بظلاله على تشكيل الحكومات وتحديد السياسات الكبرى؛ إذ أظهرت أزمة تشكيل الحكومة في عام 2026 مدى خضوع عملية صنع القرار لضغوط خارجية، لا سيما من واشنطن، واقتصاديًا، يرتبط الهيكل المالي العراقي بالدولار الأمريكي ارتباطًا وثيقًا، لدرجة أن سياسات وزارة الخزانة الأمريكية تؤثر بشكل مباشر على معيشة المواطنين العراقيين واستقرار اقتصاد البلاد.

مفارقة «الاستخباراتية-العسكرية»

لكن أكثر ما يتحدى ادعاء «الخروج» هو التناقض في طبيعة التواجد الباقي، فقد أعلنت واشنطن أنه رغم انتهاء المهمة العسكرية الرسمية، إلا أنها ستحتفظ ببعض القدرات الاستخباراتية والاستطلاعية في العراق، كما سيبقى عدد من مشاة البحرية (المارينز) لحماية البعثات والمراكز الدبلوماسية الأمريكية، وسيستمر الدعم اللوجستي للعمليات في سوريا عبر قاعدة جوية في أربيل.

ويطرح السؤال هنا: إذا كان من المفترض أن يكون الانسحاب الأمريكي «حقيقيًا»، فكيف ينسجم الحفاظ على القدرات الاستخباراتية والاستطلاعية -وهي جزء لا يتجزأ من القدرة العسكرية لرصد ومراقبة التطورات الأمنية- مع هذا الادعاء؟

إن انتهاء مهمة التحالف يمثل بلا شك خطوة مهمة، لكن تجربة العقدين الماضيين تبرهن على أن السيادة الحقيقية لا تكمن في المناسبات المدونة في التقويم، وإنما في قدرة الدولة المستقلة على اتخاذ القرار وحماية المصالح الوطنية.

وبعد احتفال هذا العام، يظل السؤال المحوري: هل تحققت السيادة الكاملة هذه المرة، أم أن العراق قد دخل للتو في المرحلة السادسة من «السيادة المشروطة»؟ وهي المرحلة التي تغير فيها ظاهر المشهد، لكن مفاتيح القوة الحقيقية لا تزال مرهونة بقرارات الفاعلين الخارجيين.

لا ينبغي للعراق أن ينظر إلى السيادة كـ «يوم في التقويم» أو «احتفال رسمي»، فالسيادة الحقيقية لا تتجسد في خروج بضعة آلاف من الجنود الأجانب، بل في امتلاك القدرة على الدفاع عن الأرض والسماء، والاستقلال في صنع القرار السياسي، والاحتكار الحصري للسلاح، والقدرة على حماية المصالح الاقتصادية للمواطنين.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى