تقارير وحوارات

من أباد أسرة القوز؟ ثلاث عائلات يمنية تُمحى من السجل المدني

تقرير | منصور البكالي: في قرية الكاملية النائية بمنطقة البرح في مديرية مقبنة بمحافظة تعز، كانت أسرة آل القوز تعيش تفاصيل حياتها اليومية كعادتها، متقاسمةً مرارة المعاناة وقساوة الحصار السعودي المستمر على شعبنا اليمني مع بقية أبناء اليمن.

 

 

وفي نهار يوم الخميس 29 أكتوبر 2026م، كان الأطفال المنشغلون بألعابهم العفوية يضحكون، ويتنافسون في الجري والقفز بين الأفرشة والأثاث وصالات المنزل، فيما الأمهات يعكفن على إعداد الطعام، وتبادل أطراف الحديث الدافئ عن خطط لزيارة الأقارب والجيران في القرية، دون أن يدركن أن اللحظات القليلة القادمة مخبأةٌ بشيء آخر تماماً.

 

وبالتزامن كان طيران العدو السعودي يرصد أدق حركات النساء والأطفال داخل ثلاثة منازل متواضعة متجاورة، حيث يتوزع الصغار والكبار في تفاصيل حياة غضة؛ طفل يمسك بملعقة طعامه، وأم تحنو فوق ثوب ابنها الصغير ترقعه بالخيط والإبرة، وفتاة تقرّب شربة الماء لوالدتها المسنة، بينما يطرق قريب لهم الباب عائداً بقلب يملؤه الفرح، حاملاً في يديه كيساً صغيراً به بضع قطع من الحلوى وعلبة عصير ينتظر بها بهجة أطفاله.

 

وقبل أن ينفتح الباب وتكتمل الفرحة، شق سماء المنطقة صوت طائرات حربية سعودية تحلق على علو مرتفع، التفت الأب نحو مصدر الصوت بقلق، في الوقت الذي تراكض فيه الأطفال صوب بوابة المنزل يهرولون لاستقباله، ويتنافس كل منهم ببراءته المعهودة ليكون هو أول من يفتح الباب؛ لكن غارات العدوان كانت أسرع من خطى الصغار، فنزلت صواريخها الفتاكة وقنابلها المدمرة بغتةً ومباشرةً لتخترق السقوف وتفتك برؤوس ساكنيها، وتدمر حيطانها وتنسف أركانها وأحجارها ونوافذها وأبوابها في أرجاء المنطقة، في مشهد صارخ ينتهك كل القوانين والمواثيق الدولية والإنسانية وقوانين الحروب، ومبادئ التمييز والتناسب، لتتحول تلك الحياة المتناغمة في ثوانٍ معدودة إلى أشلاء مبعثرة، وآهات تخترق القلوب، وتهز الوجدان، وتعم القرية صرخات الاستغاثة المنبعثة من أجساد بريئة ممزقة تنزف دماً، وأخرى دُفنت حية تحت أطنان من الحجارة والتراب.

 

اهتزت القرية بمنازلها المتبقية وحقولها المتدرجة، فخرج الأهالي يهرعون وكلٌّ يتساءل: أين سمعتم هذه الغارات؟ بيت مَن؟ والغالبية يهربون من الاستهداف وطلباً للنجاة بقلوب تخفق هلعاً، حيث اندفعت الأمهات يحشرن صغارهن ويمضين مسرعات صوب النواحي الآمنة، بينما تراءت لمن كانوا على بُعد من المكان أعمدة الدخان الأسود الكثيف وغبار الركام تتصاعد متعانقة مع لهب النيران من موقع المجزرة، فهب رجال القرية وشبابها من كل حدب وصوب نحو المكان للنجدة؛ ليتلقوا عند وصولهم واحداً تلو الآخر صدمة هول المشهد وجبروت الفاجعة التي تعمدها العدو السعودي بحق ثلاث أسر تجاورهم، وتجمعهم بها أواصر القرابة والنسب والصهارة، والدم والوطن.

 

يقف الأهالي على أطلال ثلاثة منازل دُمرت تدميراً واختفت كافة معالمها، وتتعالى في حضرتهم صرخات النساء والأطفال من بين الدمار، فيهرع هذا ليلتقط بين ذراعيه جسد طفل فارق الحياة قبل أن يذوق حلوى والده، ويرفع آخر كتل الدمار عن جسد طفلة صغيرة لا تزال تصرخ مكسورة وهو يستبسل لإنقاذها والدماء تسيل من رأسها الميمم بالرماد، بينما انشغل البقية بنقل جثة قُطعت قدماها وآخر تمزق جسده بالكامل، في مهام بائسة لجمع بقايا أسرٍ ثلاث كانت تشاركهم الأفراح والأحزان.

 

وأمام المشهد يصرخ المسعفون منادين بعبارات تعكس مستوى الجريمة وبشاعة المجزرة: “يا الله يا الله ما هذا! ماذا فعل هؤلاء الأطفال؟ لماذا تستهدف الأطفال والنساء يا محمد بن سلمان؟ أين العالم من هذه الجريمة؟ هذه غزة أخرى في اليمن، أنقذونا من هذا المجرم الطاغية”.

 

ومَن يتأمل في وجوه الناجين وحركة المسعفين وبكاء الحاضرين ودموع الجميع يسترجع مشاهد جرائم الحرب التي كان يرتكبها كيان العدو الإسرائيلي بحق أهلنا وإخواننا في قطاع غزة قبل عامين. ولا يجد أي فرق بين جرائم المجرم المدعي للإسلام محمد بن سلمان، وجرائم الحرب التي ارتكبها مجرم الحرب الصهيوني “نتنياهو” بحق النساء والأطفال واستهداف البيوت الآمنة؛ حيث تحولت الساحة إلى مأساة توزعت فيها ذراع بجوار جمجمة مهشمة، وأثر قطعة من قدم طفولية علقت بفرع شجرة قريبة، بينما عمت المكان رائحة الدماء الممتزجة بالبارود، وسط صرخات متواصلة لنساء وأطفال يستغيثون من تحت الحجارة والتراب وبقايا منازلهم المدمرة.

 

ومع توافد الأهالي المستمر وسباقهم مع الزمن لرفع الأنقاض بالأيدي العارية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بين فكي الموت، اختلطت دموع وبكاء المسعفين المذهولين بدماء ودموع الجرحى، فيما وقف أقارب الأسر الثلاث في حالة ذهول وصدمة كأنها إحدى مشاهد القيامة، أو جزء من كابوس مرعب، عاجزين عن تصديق فظاعة الجريمة البشعة التي أسقطت قيم الإنسانية وعرّت صمت العالم المتواطئ.

 

من وسط الجريمة وتناثر الأشلاء وهول المشهد يروي أحد أقارب أسرة القوز المأساة وهو يرفع بيده اليمنى أشلاء من جسد طفل: “هذه أشلاء أبرياء، استشهد ثمانية من أبناء عمي منهم شقيقتاي اثنتان، والبقية جرحى بين الحياة والموت، هؤلاء كلهم أبناء عمي وأسرهم انتهت بالكامل، هذه أشلاؤهم؟ استهدفها مَن يدعي الدفاع عن مكة!”. ويتابع: “أول ما وصلت إلى المكان دخت على الفور وفقدت بصري، لم أستطع النظر في هول الجريمة، بعض أشلاء الأطفال وجدناها فوق الأسفلت خارج القرية، تطايرت الأجساد والجثث قطعة قطعة، نحن رعية في وادي، نبحث عن الأكل والشرب، لا علاقة لنا بالحرب”.

 

أحد الناجين من الأقارب بدوره يقول: “كنت في الوادي وسمعت صوت الصاروخ فانبطحت مباشرة، وعندما فتحت عيني، شاهدت المنازل الثلاثة قد اختفت وانتهت بالكامل، وأعيد النظر فأرى الجثث متناثرة في كل اتجاه، وخرجت إلى الخط العام وأنا أجمع الأشلاء، وقد نسفت المنازل بشكل كامل، هذه جريمة وحشية لا قبلها ولا بعدها”.

 

عملية انتشال الشهداء والجرحى من تحت ركام المنازل واجهت فيها فرق الإنقاذ والإسعاف صعوبة بالغة، وحالة من الذهول والصدمة لهول الجريمة، وهو ما يؤكده أحد المشاركين بقوله: “بعد تلقي البلاغ واجهنا صعوبة في انتشال الجثث وجمع الأشلاء من أطفال ونساء”.

 

وفي المستشفى المكتظ، كانت الطواقم الطبية تسابق الزمن وسط حالة الريبة، حيث افترشت جثث الأطفال والنساء الممرات بعد أن ضاقت بهم أسرة الطوارئ، تماماً كما هو الحال في مستشفيات غزة المنكوبة. يروي الأطباء بأسى قصص الأجساد الصغيرة التي وصلت إليهم؛ طفل لا يتجاوز الرابعة من عمره يضمد الشاش رأسه بالكامل ويقاوم شظايا استقرت في صدره وأطرافه، ومدنيون آخرون تمزقت أحشاؤهم بفعل الضغط الانفجاري، ليتحول المستشفى إلى ساحة أخرى لتوثيق الجريمة التي لم تتوقف عند هذا الحد، إذ عاود الطيران السعودي التحليق ليقصف منزلاً مجاوراً كان خالياً من السكان، معلناً إصراره على محو أي أثر للحياة في سياق سلوك إجرامي صهيوني مشترك يجمع قوى العدوان السعودي بكيان العدو الإسرائيلي في استباحة دماء الأطفال والنساء، من غزة إلى اليمن.

 

وأمام هذه الجرائم، يقف العالم متفرجاً أخرس؛ فلا إدانة ولا موقف للأمم المتحدة، ولا صوت للمنظمات الحقوقية، والكل يرصد بصمت، ويبتز من تحت الطاولة، وكأن الشعب اليمني مجرد حقل تجارب للصناعات الحربية الأمريكية والغربية، وصندوق لجني الأموال من المجرمين مقابل التنصل من المسؤولية القانونية والأخلاقية والإنسانية، كما هو حال الأنظمة والحكومات العربية والإسلامية التي لا تعير أبناء اليمن وفلسطين أي اهتمام، وتعلو أصواتها وعويلها حال أي رد على الظالمين المجرمين.

 

فجريمة آل القوز واحدة من مئات جرائم الحرب التي خلفها العدوان السعودي على شعبنا اليمني خلال 12 عامًا، ويُدان الصامتون عنها، والمشاركون فيها، والمتواطئون أمامها قبل مرتكبيها. وللتاريخ موعد مع الحساب وبلوغ الحجة، وللشعوب الصبر والتحمل والتحرك لنصرة المستضعفين وما بقي من القيم الإنسانية.

 

وعلى أيادي مجاهدي القوات المسلحة اليمنية، جاء الرد في عمق العدو السعودي، ب6 عمليات نوعية، استهدفت مواقع وأهداف عسكرية واقتصادية، ليعرف العالم معاني الانتصار بعد الظلم، ويترقب المستضعفون سقوط فراعنة العصر، من قتلوا النساء والأطفال وأهلكوا الحرث والنسل، ولا نامت أعين الجبناء.

 

 

 

نقلا عن موقع المسيرة نت

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى