المقالات

شهيد القرآن حسين بدر الدين الحوثي: عالمي الرؤية ومشروع أُمَّـة

 

بقلم/عبدالمؤمن محمد جحاف

في مرحلة تاريخية كانت فيها الأُمَّــة تعيشُ اغترابَها عن ذاتها، ويُعاد تشكيلُ وعيها وفقَ مقاييس الهيمنة والخوف، خرج من عُمق الجغرافيا اليمنية رجل لم يحملْ مشروعًا تقليديًّا، بل حمل رؤية مواجهة مع واقع الانكسار.

السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) لم يكن مُجَـرّد صوت معترض، بل كان حدثًا فكريًّا أعاد تعريف معنى الولاء والانتماء والعداء والاصطفاف.

تعامل مع القرآن بوصفه مرجعية حياة، لا نصًا جامدًا يُستدعى للمواسم أَو الخطابة.

قرأ الواقع من خلاله، واستخرج منه معايير الحركة والمواجهة؛ فحدّد جوهر الأزمة في انفصال الإنسان عن وعيه وهُويته، لا في ضعف الإمْكَانات.

ومن هنا وُلد المشروع القرآني كمحاولة جذرية لإعادة الإنسان إلى موقعه الطبيعي: حرًا في موقفه، واضحًا في عدوه، ثابتًا في خياره.

وحين أطلق شعار الصرخة، لم يكن يرفع شعارًا عاطفيًّا أَو يلهب الحشود بشعارات آنية، بل كان يعلن انتقال الأُمَّــة من مرحلة الصمت إلى مرحلة الفعل الواعي.

كانت الصرخة كاشفة للزيف، ومحدّدة لمسار الصراع بعد أن حاولت قوى الهيمنة تشويهه.

بها سقطت الأقنعة، وانكسر حاجز الرهبة، وبدأ تشكّل وعي جمعي يرى المواجهة فريضة لا مغامرة.

وعندما اختار الخصوم أن يطوّقوا المكان ويستهدفوا الجسد، لم يدركوا أنهم بذلك يوسّعون الفكرة.

لقد تحوّلت الشهادة من نهايةٍ متوقعة إلى لحظة تأسيس؛ حَيثُ انتقلت الرسالة من حدود الجغرافيا إلى فضاء الوجدان.

لم يكن الاستشهاد خسارة للمشروع، بل كان لحظة اكتماله الأخلاقي والرمزي، حين تماهى القول مع الفعل، والفكرة مع التضحية.

أثبت السيد حسين أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بالمواقع ولا بالسلطة، بل بقدرتها على صناعة وعيٍ حيّ، وأن الكلمة الصادقة حين تُدفع بثمنها لا تموت، بل تتحول إلى مسار.

ترك وراءه جيلًا يرى في الثبات شرفًا، وفي الموقف مسؤولية، وفي التضحية طريقًا للحياة لا للموت.

وهكذا، لم يُغلق استشهاده صفحةً، بل فتح أفقًا.

حاضرًا في كُـلّ حالة، وفي كُـلّ موقف عزّة، وفي كُـلّ معادلة كُتبت باسم الكرامة.

إنه من القادة الذين غادروا الجسد، لكنهم استقروا في الوعي، وتحولوا إلى مدرسة، ومن صوت إلى هُوية، ومن لحظة إلى تاريخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى