خطابات قائد الثورة

نص المحاضرة الرمضانية الرابعة للسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي 1447هـ

نص المحاضرة الرمضانية الرابعة لقائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي 4 رمضان 1447هـ 21 فبراير 2026م:

أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.

أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:

السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

في الآيات المباركة من (سورة القصص)، في قصة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، كنَّا وصلنا في المحاضرة السابقة إلى الحديث على ضوء قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}[القصص:6]، في إطار التبيين الذي بيَّنه الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في القرآن الكريم عن إرادته، من منطلق رحمته، وعزته، وحكمته، في إنقاذ المستضعفين، وكيف ينقذهم، ثم هذا الدرس المهم، الذي هو من أهمِّ دروس التاريخ، ووقائع وحقائق تاريخية في قصة بني إسرائيل، في عصر فرعون، إرادة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أن ينقذهم من طغيان فرعون وهامان، وأن يمكن لهم في الأرض، بعد الحالة التي كانوا فيها في منتهى الاستضعاف، والإذلال، والقهر.

كنا تحدثنا عن هذه الآية المباركة وعلى ضوئها في المحاضرة الماضية، ونكمل الحديث عن ذلك.

قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}[القصص:6]، تحدَّثنا عن سياسة يعتمدها الطغاة والمجرمون في حساباتهم تجاه المحاذير، في ما توقَّعونه من فئة معيَّنة من فئات المجتمع، وكيف يمارسون أبشع أنواع الظلم والإجرام، انطلاقاً من محاذيرهم تلك، فلديهم حساباتهم حتى تجاه المستقبل، الحسابات المستقبلية، منها ما يعتمدون فيه على:

– أخبار، أو آثار، أو رؤى.

– أو أقوال منجمين، كما في الماضي كانوا يعتمدون على أقوال المنجمين والكهَّان ونحوهم.

– أو مخاوف، من خلال استقراء سنن كونية معيَّنة من سنن الله.

– أو تقديرات استخباراتية، من خلال ما يحصلون عليه من معلومات، ومن خلال تقييمهم لها.

– أو مثلاً في عصرنا هذا ما تقدِّمه مراكز دراسات وأبحاث.

– أو من خلال توقعات… وما شابه ذلك.

وبالتالي يتَّخذون إجراءات احترازية، قائمة على الظلم، والطغيان، والإجرام، وتهدف بالوصول إلى المستضعفين إلى وضعيةٍ يستحيل فيها تحركهم للخلاص مما هم فيه من استضعاف، وظلم، واضطهاد، وإذلال، وقهر، وسيطرة تامة عليهم، وتستحيل فيها نهضتهم، فتلك التدابير التي يعتبرونها احترازية، تضمن سيطرتهم الدائمة، أو حتى تصل بالمستضعفين أولئك إلى الفناء، هي تدابير ظالمة، وهكذا كان الحال في سياسة فرعون وهامان، ومع فرعون وهامان جنودهما الذين كانوا يتحركون وفق أوامرهما.

لكن مع كل ما قد اتَّخذوه من تدابير احترازية ظالمة، وإجراءات قائمة على البطش والجبروت، إلى درجة الذبح لكل الأبناء الأطفال الذكور، بما في ذلك من وحشية رهيبة جداً، وإجرام فظيع… وغير ذلك مما كانوا يسومون به بني إسرائيل سوء العذاب، وهم يضطهدونهم بكل أشكال الاضطهاد، ويسخِّرونهم في الأعمال الشاقة، بطريقة فيها الكثير من التعسف، الذي يصل بالبعض منهم إلى حالة الوفاة، وكذلك في المهن المسترذلة… وغير ذلك، كل أشكال الاضطهاد التي كانت قائمةً آنذاك.

في مقابل ذلك يأتي التدبير من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، بالرغم من كل تلك الإجراءات الاحترازية، بما فيها الذبح للأطفال الذكور، أتى التدبير الإلهي العجيب، الذي أسقط كل تلك العوائق والحواجز التي قد صنعوها.

فنجد كيف أنَّ إرادة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” نافذة في صناعة المتغيرات في واقع البشر؛ لأن البشر، وهذه الأرض وما فيها، جزءٌ من مملكة الله الواسعة، الخاضعة لتدبيره، وهو الحي القيوم، لم يترك عباده هملاً، وهذا ما ينساه الطغاة والمستكبرون، يتصوَّرون حينما يصلون إلى مرحلة متقدِّمة من القوَّة العسكرية، والإمكانات الاقتصادية، والسيطرة على وضعٍ ما، أنَّه بات بإمكانهم أن يفعلوا كل ما يشاؤون ويريدون، وأن إرادتهم حتمية، وأنَّه لا يمكن الخلاص مما يخططون له، وأنَّ النجاح حليفهم في كل ما يشاؤون، أن النجاح حليفهم في كل ما يخططون له، وهكذا يحسب حتى الكثير من المستضعفين، الذين ييأسون عندما يجدون الوضعية صعبة جداً، وينظرون إلى ما يمتلكه الطغاة والمجرمون والجبابرة، من إمكانات هائلة، من سيطرة مستحكمة، من قدرات عسكرية، اقتصادية، استخباراتية وأمنية… وغير ذلك، فالبعض يصل- فعلاً- إلى حالة اليأس من إمكانية أن يتغير ذلك الوضع، وكأنه ليس هناك من يملك حق التدخل في تغيير هذا الواقع، ومن له الأمر والنهي، وهو ملك السماوات والأرض، رب العالمين، الذي لا يريد لعباده أن يُظلموا، هو القائل “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ}[غافر:31]، {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ}[آل عمران:108]، فهو يقدِّم في هدايته، ومع هدايته التدبير، تدبير من جانبه “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ما يدفع الظلم عن الناس ابتداءً، ثم فيما بعد ذلك قد لا يستجيبون ولا يتَّجهون لإطار تعليمات الله التي تقيهم ابتداءً من أن يصلوا إلى حالة الظلم والاضطهاد، فيما بعد وهم يعيشون حالة الاضطهاد، والظلم، والقهر، والوضعية الصعبة، يهيئ الله لهم الخلاص والفرج، إذا كان لديهم هم اتِّجاه إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

ولهذا نجد هنا في قصة بني إسرائيل الدرس الكبير، الذي هو مهم، والله أراد لنا أن نستوعب ذلك كدرس، نأخذ منه العبرة في واقعنا، في ظروفنا، نحن وغيرنا على مرِّ الأجيال، الدرس المهم من واقع بني إسرائيل في مرحلة الاستضعاف التي وصلوا فيها تحت الصفر، ثم المتغيرات والنقلة الكبيرة، إلى هذه الدرجة التي عبَّرت عنها الآيات القرآنية: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}[القصص:6]، هم كانوا يحذرون أن يتغيَّر ذلك الواقع، وأن يتمكَّن أولئك المستضعفون من النهضة، من التحرك، من الغلبة، من التحرر، من الخروج من تلك الوضعية، التي هي وضعية إذلال، وقهر، واستعباد؛ إلى وضعية حُرِّيَّة، وكرامة، وعزَّة، وكما ذكرنا، أنَّ الطغاة والمستكبرين- وكما أفادته الآيات القرآنية، وتفيده الشواهد التاريخية والواقع- دائماً لديهم مخاوف، مهما كانت وضعية المستضعفين، لا يزالون في حالة خوف منها، ويتَّجهون إلى تدابير قائمة على ممارسة الظلم، والطغيان، والإجرام.

هذا الوعد الإلهي للمستضعفين- كما قلنا- هو وعد في إطار سنَّة من سنن الله المستمرة، الباقية، وليس حديثاً فقط عن هذا المستوى من الرعاية الإلهية، من رحمة الله بعباده، من التدخل لإنقاذهم في مرحلة تاريخية معيَّنة، ثم انتهى الأمر، بل هي سنَّة قائمة من سنن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ ولذلك من المهم لكلِّ المستضعفين في كلِّ عصر ومِصْر، أن تكون كل آمالهم متَّجهةً نحو الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وألَّا ييأسوا من رَوْح الله، مهما كانت سيطرة الطغاة، والمجرمين، والظالمين، والمستكبرين، مهما كانت إمكاناتهم، قدراتهم العسكرية وغيرها، أجهزتهم الاستخباراتية، الأمنية… وغير ذلك.

في عصرنا هذا، ونحن نواجه العلو والطغيان والاستكبار اليهودي الصهيوني، بأذرعه العالمية: أمريكا في المقدِّمة، بشرها الكبير، وطغيانها العام، ومعها حلفاؤها وأعوانها وأنصارها، الأداة اليهودية الصهيونية: الكيان الإسرائيلي المجرم، الظالم، الطاغي، المستكبر، الذي يمارس أبشع وأفظع الجرائم، بالرغم مما يمتلكونه من قدرات عسكرية، واقتصادية، واستخباراتية، وإعلامية، وسيطرة سياسية… وغير ذلك، مهما كان حجم سيطرتهم، مهما كان مستوى الطغيان والإجرام الذي يمارسونه، فهذه السنَّة الإلهية في الإنقاذ للمستضعفين، في الوعد لهم بالخلاص، هي سنَّة قائمة من سنن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ ولذلك يجب أن تكون آمالنا جميعاً متَّجهة نحو الله بإيمان ويقين وبصيرة، يكون لدينا من اليقين ما يدفعنا إلى الاستجابة العملية، والتحرك وفق تعليمات الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ونتيقن أنَّ ما وصل إليه أولئك الطغاة المجرمون، من طغيان، من ظلم، من إجرام، إنما أيضاً هو من الأسباب المهمة التي تقرِّب زوالهم، والتي تقرِّب المستضعفين أيضاً من الخلاص، إذا اتَّجهوا نحو الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ووثقوا بالله.

الحالة التي ينبغي أن يحذر منها المستضعفون، هي: حالة اليأس والقنوط، التي تدفعهم:

– إمَّا إلى الولاء للطغاة والظالمين، والاستسلام لهم، والتحرك في إطارهم، وتدفعهم إلى حالة الاستقطاب لهم.

– أو تدفعهم إلى التخلِّي التام عن مسؤولياتهم، وعن أسباب الخلاص، التي من المهم أن يتحرَّكوا وفقها.

هنا عندما قال الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ}[القصص:5]، لم تكن تلك الإرادة حالة أمنيات، أو بيانات إدانة وشجب، بل كان تدبيراً فعلياً اتَّجه إلى الواقع، هذا ما يتَّضح لنا في الآيات المباركة، فكيف كانت بداية التنفيذ لتلك الإرادة الإلهية؟ بالرغم من أنَّ الوضعية التي كانت قائمةً آنذاك قد يراها البعض (أو الكل) من أولئك المستضعفين، على أنها تنعدم فيها كل مقوِّمات النهوض، يعني: ليس هناك في واقع أولئك المستضعفين أي مقومات للنهضة، للحركة بما يحررهم وينقذهم من تلك الوضعية، ولا مؤشرات للفرج، أحياناً تكون الحالة في مستوى القسوة، وانعدام أي إمكانية للتحرك في تصورهم، قد تكون بالشكل الذي لا يلمسون أنَّ هناك أي مؤشرات للفرج، وهي حالة تحصل للناس في بعض الأحيان، تجاه بعض الظروف الصعبة، البالغة القسوة والشدة.

هنا نجد كيف بدأ التنفيذ للإرادة الإلهية، يقول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[القصص:7]، سنَّة الله في الفرج لعباده: أن تكون على يد أوليائه، الذين يعملون وفق تعليماته وهديه، فالفرج مرتبطٌ بهذه السنة، الفرج للناس، الإنقاذ لهم من الوضعية السيئة التي هم فيها، يأتي من خلال هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ومن يتحرك في إطار هدى الله وتعليماته جلَّ شأنه؛ ولهذا نجد كيف اتَّجهت إرادة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في الاصطفاء لنبيه موسى لمهمة الفرج والخلاص لأولئك المستضعفين، حينما أراد الله أن ينقذهم، ماذا عمل لهم؟ خلق إنساناً، شخصاً؛ ليجعل على يده مهمة الفرج والخلاص لهم، واصطفاه لهذه المهمة، هيأه لها، وأعده لها، وخلقه لها، لهذه المهمة، ولهذا الدور المهم جداً، مثلما قال في الآية المباركة: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}[طه:41]، فالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” خلقه، وهيأه، وأعدَّه، واختاره، واصطفاه لهذه المهمة: في مقارعة طغيان فرعون، وفي العمل لإنقاذ أولئك المستضعفين.

الوعي بهذه السنة أيضاً من الأمور المهمة جداً، أن نعي سنن الله، كيف ينقذ الله عباده؟ كيف يخلِّصهم من الوضعية السيئة التي هم فيها؟ هو يهيِّئ لهم “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” من يجعل على يده هذا الدور، يُعِدُّه لذلك، يهيِّئه لذلك؛ باعتبار هذه مسؤولية كبيرة جداً، وتحتاج إلى مؤهلات عالية، وإعداد مخصص من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، يعني: خارج عن مستوى قدرات البشر في الإعداد لمستوى هذا الدور، لمثل هذه المهمة.

وفعلاً، من يتأمل كيف كانت الظروف آنذاك، كيف كانت الوضعية؛ يدرك- فعلاً- أنها مهمة في غاية الصعوبة، وبالغة التعقيد، وتحيط بها الكثير من العوائق الكبيرة جداً، فالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” اتَّجهت إرادته في أن يخلق من يُجْري على يده الفرج والخلاصة لأولئك المستضعفين، بالرغم من أنَّ الظروف بالغة التعقيد، فرعون كان قد اتَّخذ إجراءً احترازياً هو وجنوده ووزيره هامان، بالأمر بذبح كل الأطفال الذكور؛ لأنه يخاف من ذلك، بعدما أخبره المنجمون والكُهَّان ومن معهم بهذا الخطر مسبقاً، ولكن كيف كانت إرادة الله ومشيئته؟

ولهذا ينبغي أن يكون لدينا وعي عن دور القادة الربَّانيين، الذين يعملون على خلاص المستضعفين بهدايةٍ من الله، وفق تعليمات الله، وفق هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ لأن التفاعل معهم في إطار هذه المهمة المقدَّسة، أمرٌ مهم؛ حتى يتحقق الخلاص.

ثم أن نعي أن سنن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” وتدبيره يأتي إلى واقع البشر، وعلى أيديهم، هناك سنَّة من سنن الله تتعلق بالأسباب، يجب أن نعيها؛ لأن البعض مثلاً قد يتصوَّر كيف يأتي الخلاص والفرج بطريقة أخرى، طريقة بعيدة عن تحرك، عن نهوض بمسؤولية، عن أخذ بأسباب، عن عمل، عن سعي، عن تحرك في إطار تعليمات الله وتوجيهات الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وتقديم للتضحيات في إطار ذلك.

البعض- مثلاً- قد يتصور أنَّ المسألة ممكن أن تأتي بمجرَّد دعاء بهلاك الأعداء، وأن يقضي الله عليهم في لحظةٍ واحدة، من دون أن يكون هناك أي تحرك، أي نهوض بمسؤولية، أي أخذ بأسباب عملية.

هنا من هذه القصة نستوعب هذه السنة المهمة من سنن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، فنجد كيف أنَّ مهمة الفرج لبني إسرائيل كمستضعفين، اختار الله لها شخصاً صنعه، أعدَّه، هيأه لهذه المهمة؛ ليجري على يديه الفرج والخلاص لهم، وليسْقِط على يده طغيان فرعون.

ونجد كيف كانت البداية في هذا التدبير الإلهي، وكيف اخترق وتجاوز كل تلك التدابير الفرعونية الاحترازية الإجرامية، التي قام بها فرعون وجنوده، كيف كان هذا التدبير الإلهي وبطريقة عجيبة، وعلى يد المستضعفين، على يد المستضعفين، فيحصل هذا الاختراق الكامل لتلك التدابير الاحترازية التي كانوا قد عملوها.

كانت البداية: مولد موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” في ظل تلك المخاطر، ويظهر أنَّه وُلِدَ يتيماً من جهة الأب، يتيم الأب، وكانت أعباء حمايته محلَّ قلق كبير لوالدته، فهو في تلك المرحلة والظروف الصعبة جداً، فنجد كيف أتت التعليمات الإلهية، وكيف أحاطه الله برعايته العجيبة: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ}[القصص:7]، مما يرتبط بحياة رسل الله وأنبيائه، ما يعبَّر عنه في السِّير بـ(الإرهاصات)، يعني: تحصل في تدبير الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” ورعايته، ما هو من ضمن التدبير الإلهي، في المقدِّمات التي تواكب مسيرة حياتهم، في مراحل معيَّنة: ما قبل ولادتهم، أثناء ولادتهم، ما بعد ولادتهم أيضاً، في مراحل نشأتهم، هناك رعاية تأتي فيها الكثير من الأمور المهمة، التي هي من دلائل الاختيار الإلهي، والإعداد الإلهي، لمهمة معيَّنة، والتهيئة لتلك المهمة، ويعبَّر عن ذلك بـ(الإرهاصات)، وهي في إطار الرعاية الإلهية التي يواكب الله بها مسيرة حياة أنبيائه ورسله؛ لتهيئتهم، ورعايتهم، وحفظهم لمهامهم العظيمة والمقدَّسة.

هنا نجد كيف عبَّر القرآن الكريم بوضوح، بقوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ}[القصص:7]، يأتي الوحي من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والتعليمات الإلهية، البعض من المفسِّرين التبس عليهم الأمر: [كيف يمكن أن يكون هناك وحيٌ من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” إلى أم موسى؟]؛ لأنهم يتصوَّرون أنَّه لا يمكن أن يكون الوحي إلَّا إلى الأنبياء “عَلَيْهِمُ السَّلَامُ”، وأنَّ مسألة الوحي مرتبطة حصراً بمسألة النبوَّة، وهنا يتجلَّى لنا من خلال القرآن الكريم في مقامات أخرى أيضاً، كيف أنَّ هناك وحي من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وهو مرتبط في حقيقة الحال بمسألة النبوَّة، لكن في إطار محيط الأنبياء “عَلَيْهِمُ السَّلَامُ”.

فنجد في حالةٍ أخرى مشابهة لهذه الحالة، في قصة الصدِّيقة الطاهرة مريم “عَلَيْهَا السَّلَامُ”، كيف أنَّ الله أوحى إليها، وخاطبتها الملائكة، ونادتها: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}[آل عمران:42]، فكان هذا وحياً بنداء من الملائكة “عَلَيْهِمُ السَّلَامُ”، نداء لها، وإخبار لها عن دورها، عن مهمتها، عمَّا اختصها الله به.

كذلك: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}[آل عمران:45]، فنجد هنا في هذه الآيات المباركة، أنَّ الله بشَّرها عن طريق الملائكة بنداء ووحي مباشر عبرهم، بهذه البشارة: بمولودها المسيح، وما هي مهمته، ما هو دوره.

كذلك نجد في (سورة مريم) القصة الكاملة، حينما بعث الله إليها جبرائيل “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وخاطبها، وناداها، وبيَّن لها عن قصة مولودها، عمَّا قبل الحمل، وأثناء الحمل، وكيف تلد هذا المولود، وما بعد ذلك، فالمسألة هي فعلاً وحيٌّ حقيقي، فيه نداء من ملائكة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وهو- في نفس الوقت- في إطار مهمة متصلة بالنبوَّة، يعني: هذه هي أم نبي، نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وفي مهمة مرتبطة به، كما هي القصة بالنسبة لمريم “عَلَيْهِ السَّلَامُ”؛ وبهذا يزول الالتباس، ليست المسألة وحي بشريعة، أو بمهمة رسالية لها هي؛ إنما مهمة تتصل بذلك المولود الذي هو نبيٌ من أنبياء الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وسيبعثه الله بهذه المهمة الرسالية الكبيرة.

الظروف التي كانت فيها أم موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، والمهمة التي أوكلت إليها، ظروف صعبة، بالغة التعقيد، ومهمة في غاية الصعوبة، تكتنفها الكثير من الأخطار، وهي تحتاج إلى هذه التعليمات من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وأن تتحرك وفقها بيقينٍ تام، واطمئنان كامل؛ ولهـذا كانت محتاجة فعلاً إلى الوحي الإلهي، والذي تضمَّن هذه التعليمات، بدايةً: أن تهتم به فيما يتعلق بالرَّضاعة، الرعاية المطلوبة في البداية، التي هي رعاية الأمومة: الرَّضاعة، والحنان، والعاطف، والاهتمام بتغذيته، هنا ندرك كيف قيمة وأهمية هذا الدور الذي أنيط بهذه المرأة.

فنجد في تعليمات الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وفي توجيهاته “جَلَّ شَأنُهُ”، كيف أتى هذا الدور المهم والعظيم لامرأة، في مقابل ما كان يصنع فرعون وهامان ودولته، وسياساته، وإجراءاته التي تمتهن المرأة، وتسخِّرها في المفاسد والرذائل، وتتعامل معها بطريقةٍ مختلفة تماماً، هنا نجد فعلاً التكريم العظيم للمرأة، التكريم للإنسان بشكلٍ عام: للرجال وللنساء، في إطار تعليمات الله، والمهام المقدَّسة العظيمة، التي يتحرك فيها المؤمنون والمؤمنات، يتحرَّك فيها من يتَّجه في إطار تعليمات الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، فنجد أهمية هذا الدور:

– من حيث أهميته الرسالية، يعني: مسألة متصلة بمهمة رسالية.

– ومن جانبٍ آخر: في إطار مهمة كبرى وعظيمة، يترتب عليها إنقاذ وخلاص أولئك المستضعفين، ويترتب عليها سقوط ونهاية ذلك الطغيان والجبروت.

في إطار هذه المهمة الكبرى، نجد هذا الدور الذي هو دور أساس جداً في تنفيذ هذه المهمة، وعلى يد امرأة، يجعله الله على يد امرأةٍ مؤمنة، تقوم بهذا الدور، هذا من التكريم المهم، والذي يجعلنا ندرك فعلاً أنَّ الكرامة للرجل وللمرأة، للإنسان بشكلٍ عام، هو في إطار الدور المهم، الدور المهم الإيماني، الذي يأتي في إطار التحرك الإيماني.

فهنا نجد في الوحي إلى أم موسى، الدور المهم للمرأة، الموقع المهم في التدبير الإلهي، في الهداية الإلهية، والمرتبط بقضية كبرى، وبمهمة عظيمة ومقدَّسة، هذا مهمٌ جداً في أن نعيه؛ لأن قوى الطاغوت المستكبرة، المضلَّة، المنحرفة، تحاول أن تشوش دائماً على المسار الإيماني، والنهج الإلهي الحق، في دور المرأة في إطاره، وتحاول أن تضل المرأة، وأن تنحرف بها في الاتِّجاهات الخاطئة، التي هي امتهانٌ للكرامة، والتي هي تدمير للوضع الاجتماعي للناس، وتصوِّر أن مسلكها المنحرف، هو الذي يعطي للمرأة قيمتها، لكننا نجد القيمة الحقيقية، الإنسانية والإيمانية للرجل وللمرأة، في إطار المسار الإيماني والاتِّجاه الإيماني، وفق تعليمات الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

نجد هنا أيضاً أنَّ الدور الصحيح للمرأة، مرتبط- كما هو في الحالة التكوينية والواقعية- مرتبط في إطار الأسرة والمجتمع، وليس دوراً منفصلاً، نجد المهمة التي تنفِّذها أم موسى مع ابنها، في إطار دوره المهم جداً، وفي إطار هذا الدور الذي هو ذو طابع أسري واجتماعي، مرتبط بالمجتمع بشكلٍ عام، وهذه هي الرؤية الصحيحة، المنسجمة مع الفطرة، والمتناسقة تماماً مع الواقع الحقيقي للناس، المرأة تؤدِّي دورها في إطار أسرتها، وفي إطار مجتمعها، وليس في إطارٍ منفصل، تتجه وكأنها عالمٌ لوحدها، ولديها عنوانها السياسي، عنوان سياسي تتحرك به تحت عنوان المرأة، وما يتعلق بالمرأة، وكأنها كيان منفصل، تسعى لنشاط مستقل ومنفصل، بعيداً عن أسرتها، وبعيداً عن مجتمعها.

الدور المهم، كما هي ظروف الحياة، التي تفرض نفسها على الأسرة كأسرة، وعلى المجتمع كمجتمع، بحيث أنَّا لا نتصور واقعاً- مثلاً- يكون الرجال فيه في حالة استضعاف، وإذلال، وقهر، والنساء في وضعية محترمة لمجتمعٍ واحد، أو على العكس يعني، بل نجد الحالة تعمُّ الجميع، ووجدنا مثلاً، ونجد بشكلٍ واضح، كيف أنَّ الطغيان اليهودي الصهيوني في هذا العصر، وبأذرعه الإجرامية: أمريكا وإسرائيل، يستهدف مجتمعاتنا بشكلٍ عام، ماذا فعلوا في فلسطين؟ قتلوا المرأة، وقتلوا الطفل، وقتلوا الشاب، قتلوا الرجل، قتلوا المرأة، قتلوا الطاعن في السن، وقتلوا الطفل الرضيع، يستهدفون الجميع، حالة التعذيب بالجوع، التعذيب بكل أشكاله، بالحرمان من كل متطلبات الحياة، يستهدفون بها المجتمع بكله.

ولهذا يجب أن تعي كلُّ النساء هذه الحقائق المهمة؛ لأن جزءاً من مخطط الأعداء لتفكيك مجتمعاتنا في العالم الإسلامي، سواءً في البلدان العربية أو غيرها، هو باستهداف النساء، وتصوير الأمر لهن أنَّ عليهن أن يكون لهن مسار منفصل عن واقع الأسرة، عن واقع المجتمع، وأن يكون لذلك المسار عناوينه السياسية، وأنشطته التي ترسخ هذه الحالة من الانفصال عن الواقع، الانفصال عن الأسرة، الانفصال عن المجتمع، الاتجاه وكأنهن عالم لوحدهن، هذا هو جزءٌ من الاستهداف، الاستهداف لهذا المجتمع، الاستهداف لنسائه، الاستهداف لرجاله، ثم بعد ذلك يتَّجهون بهن في حالةٍ من الانحراف، من الإفساد، من الاستغلال، هي مجرَّد حالة استغلال، ينفِّذها الغرب الكافر من خلال منظَّماته، ومن خلال برامجه التي تسعى لإفساد مجتمعنا وتفكيكه بكل ما تعنيه الكلمة.

نجد هنا في الآيات المباركة، كيف كان مولد موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، الطفل اليتيم، الذي تواجه أمه عبء حمايته، في ظل ضعفها وعجزها، ثم كيف أتت رعاية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” لطفلٍ لا حامي له من الناس، لا أب، ولا عشيرة، ولا مجتمع، ونجد هنا فعلاً ما يفيدنا درساً مهماً عن نفاذ مشيئة الله تعالى، فموسى بعد مولده هو في مرحلة في أشد حالات الضعف، في تلك المرحلة وفي تلك اللحظة؛ أمَّا فرعون فهو في تلك المرحلة في أقوى الحالات، وأكثرها هيمنةً في عصره ومصره، ثم نجد كيف تغيَّرت الأمور، كيف كان التدبير الإلهي بحفظ ذلك المولود الضعيف، حتى وهو في قبضة أعدائه وأحضانهم، كيف رعاه الله، كيف حفظه؛ ليتجلَّى لنا- فعلاً- كيف تنفذ مشيئة الله وإرادته على إرادة الجبابرة، في صورة من أعجب الصور والأحداث التاريخية.

نكتفي بهذا المقدار.

نَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.

وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى