المقالات

“دماء مارون الراس تهز الساحة اللبنانية: أي الأولويات تحمي الوطن؟

بقلم/ محمد ناصر حتروش

 

يتواصل مسلسل الاغتيالات والاعتداءات الصهيونية في جنوب لبنان، في ظل غياب تحرك فاعل من الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي لوقف التصعيد. وفي أحدث تلك المجازر المروّعة، أقدم الكيان الصهيوني على استهداف أسرة كاملة، ما أسفر عن استشهاد ثمانية من أفرادها في جريمة هزّت الرأي العام اللبناني.

بالتوازي، ترتفع أعداد الشهداء في البقاع وصيدا، فيما يحتدم المشهد الميداني وتتعمّق الجراح، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة الاعتداءات واستمرار استهداف المدنيين.

في وقتٍ يتصدّر فيه وجع الضحايا المشهد اللبناني، تتجه بعض المنابر السياسية في بيروت إلى إعادة طرح ملف “نزع السلاح”، وتدفع به إلى صدارة النقاش العام، ما يفتح باباً لسجال داخلي يتصاعد بالتوازي مع استمرار الاعتداءات.

وبالتزامن المريب بين المجزرة الصهيونية الموصوفة وبين الدعوات لتجريد المقاومة من قوتها، يضع لبنان أمام حقيقة وجودية لا تقبل التأويل: هل المطلوب حماية الوطن أم شرعنة ذبحه؟ فالعدو الذي يمعن في خرق كل نصوص “وقف إطلاق النار” الهشة، ويدوس على القرار 1701 بمجنزراته وطائراته، لا يرى في لبنان إلا ساحة لاستباحة الحرمات، وما مجزرة الليلة الماضية إلا تأكيد على أن هذا الكيان “المؤقت” لا يفهم لغة الدبلوماسية الميتة.

وبينما يرتقي الشهداء دفاعاً عن الأرض، يحاول البعض في الداخل طعن المقاومة في ظهرها، متناسين أن الأجزاء المحتلة من الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا لا تزال تحت بساطير المحتل، وأن ما يمنع هذا العدو من تحويل لبنان إلى غزة ثانية ليس “الضمانات الدولية” الموهومة، بل هي القبضات الضاغطة على الزناد، فاستهداف العائلات الآمنة هو “البرهان القاطع” على أن السلاح هو الخيار الوحيد للبقاء، وأن أي حديث عن نزعه في ظل الاحتلال والعدوان هو خيانة صريحة لدماء الأبرياء وتفريط بكرامة الوطن.

استراتيجية الإبادة الصهيونية: سقوط الأقنعة وتهافت “النصوص”

وتأتي المجزرة الأخيرة في بلدة مارون الراس لتعيد خلط الأوراق، وتضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى ما يُطرح من “ميكانيزمات” دولية وتعهدات دبلوماسية لم تنجح في وقف نزيف الدم، فاستشهاد أسرة كاملة، من الأب إلى الأم والطفل، يعد تصعيداً خطيراً يطال البيئة المدنية مباشرة ويضغط على الحاضنة الاجتماعية في القرى الحدودية.

وتتكرر الذرائع الصهيونية بين “الاستطلاع” و”الضربات الاستباقية”، فيما تبقى القرى الجنوبية في دائرة الاستهداف، ويستمر القلق بين السكان الذين يواجهون واقعاً أمنياً هشاً.

في المقابل، يتصاعد النقاش الداخلي حول أولويات المرحلة، وتجد السلطة اللبنانية نفسها أمام استحقاق سياسي وأخلاقي يتصل بكيفية حماية المدنيين وصون السيادة، في ظل مطالبات متباينة بين الدعوة إلى تثبيت التهدئة والتمسك بخيارات الردع.

في السياق، يرى مراقبون أن الجدل حول سلاح المقاومة يتجدد مع كل تصعيد، إذ يعتبر مؤيدوه أنه عنصر توازن في مواجهة الاعتداءات، فيما يرى آخرون ضرورة إدراجه ضمن مقاربة وطنية شاملة تعزز سلطة الدولة، وبين هذين الطرحين تبقى دماء الضحايا في مارون الراس عنواناً صارخاً لمرحلة تتطلب مقاربة واضحة تحمي المدنيين وتمنع تكرار المأساة، بعيداً عن الرهانات غير المضمونة أو الحسابات الضيقة.

أبواق “النزع” وخدمة الأجندة

وبدلاً من توحيد الساحة اللبنانية في مواجهة الأخطار الصهيونية التي تداهم السيادة اللبنانية، تلجأ بعض الأصوات السياسية والإعلامية في بيروت إلى المطالبة بنزع السلاح، بينما لا تزال أشلاء الأطفال تحت أنقاض المجازر الأخيرة، في مشهد يثير الاستنكار والسخرية معاً، وهو ما يعكس ضغوطاً خارجية تهدف إلى تجريد لبنان من عنصر قوته الأساسي لصالح أمن الكيان الصهيوني.

ويثبت الواقع الميداني أن العدو الإسرائيلي يخرق السيادة اللبنانية آلاف المرات سنويًا، وأن أي قرار دولي لم يسترجع شبرًا واحدًا من الأراضي دون تدخل المقاومة. فالخطاب الذي يصور المقاومة كعبء يتناقض مع الوقائع، فالدرع الحصين الذي يوقف تمدد العدوان ويحدّ من المجازر هو سلاح المقاومة، وبدونه كان العدو قد استكمل عملياته العدوانية في البقاع وصيدا ووصل إلى قلب العاصمة.

ردع لا يتراجع

في نهاية المطاف، ستبقى دماء الأسرة في مارون الراس وصمة عار على جبين كل صامت أو متواطئ، وستبقى في الوقت ذاته منارة تؤكد صوابية خيار المقاومة. فالمعركة اليوم تظل معركة إرادات بين من يريد لبنان “سيداً حراً قوياً” بسلاحه وشعبه، وبين من يريده “ملحقاً” يرتجف خلف حدود وهمية.

ويبقى الرد الحقيقي والوحيد على مجازر البقاع والجنوب هو تعزيز خيار المقاومة والتمسك بالسلاح كحاجة وجودية لا تقبل النقاش حتى رحيل آخر جندي صهيوني عن الأرض اللبنانية وتوقف آخر طائرة عن استباحة سمائنا.

وعلى السلطة اللبنانية أن تعي أن دورها هو حماية شعبها وليس لعب دور الوسيط، وعلى المراهنين على نزع السلاح أن يدركوا أن هذا “الحلم” الصهيوني لن يتحقق طالما هناك طفل في الجنوب يؤمن بأن “الدم ينتصر على السيف”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى