المقالات

في رحاب قصة موسى عليه السلام

 

بقلم/إبراهيم محمد الهمداني

الجو العام للقصة

في المحاضرة الرمضانية الثالثة، قدم السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي – يحفظه الله – إطلالة عامة عن مسارات القصة، في محاور مقتضبة على النحو الآتي:
*تكريس الاستضعاف في واقع بني إسرائيل بطريقتين:
١- استخدام القوة والهيمنة والغلبة، (يذبح أبنائهم).
٢- إفساد المجتمع، لكي لا يستحق نصر الله ورحمته، (يستحيي نسائهم)، أي نسونة المجتمع وتمييعه.
وهذا هو ما عاشه بنو إسرائيل، وما يحاولون تكريسه بحق الشعوب المستضعفة.

*انواع المستضعفين حسب التصنيف القراني:
١- المستضعفون الواعون: يتميزون بأنهم يعون ظروفهم وواقعهم، وهم غير راضين عن ماهم فيه، وما يمارسه الطغاة بحقهم، وهم يتجهون إلى الله تعالى، لتغيير ما هم عليه، وقد عبر القران الكريم عنهم بقوله تعالى: “وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك سلطانا نصيرا”، وهؤلاء جديرون بأن يفرج الله عنهم، وجديرون برحمته ورعايتة.

٢- مستضعفون لا يعون واقعهم، ولا يتوقون إلى التغيير، وليس عندهم الإرادة، ولا يلتجئون إلى الله لتغيير ما هم فيه، يغلب عليهم الجمود والاستسلام، ومن هؤلاء من حكى الله عنهم بقوله تعالى:
“إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا”، وهؤلاء غير جديرين برحمة الله، ومصيرهم إلى جهنم، لأنهم كانوا في حالة قبول لما هم عليه، وكانوا في حالة من الجمود والاستسلام، ولم يأخذوا بأسباب الفرج والخلاص، واستثنى منهم النساء واستثنى منهم، “إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا”.
٣- مستضعفون متبعون للطغاة والمستكبرين، موالين لهم، وهؤلاء يدخلون في سنة “كذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون”، وهم من قال عنهم في القرآن الكريم: “وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار . قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد”.

المستضعفون والوعد الالهي.

“ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين”.

مدلولات التعبير القرآني.
١- خلاص المستضعفين سنة إلهية ثابتة.
٢- خلاص المستضعفين إرادة إلهية قائمة.
٣- الإرادة الإلهية، لا تقف عند مجرد خلاص المستضعفين، بل تنتقل بهم إلى وضع متقدم، كأمة مستقلة، قادتها منها ولها حضورها وأثرها في الساحة.
٤- هذا يفتح الأفق الواسع والأمل العظيم بالله تعالى، أمام المستضعفين، لأنه في إطار هذه السنة الإلهية، خاصة وأن تلك النقلة كانت بالنسبة لبني إسرائيل – بالذات – من المستحيلات، التي لم تبلغها توقعاتهم وأحلامهم، لأنهم قد بلغوا من وضعية الاستعباد أنهى درجاته ومستوياته، حتى أن فرعون وهامان قالا: “أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون”.
٥- اقتضت السنة الإلهية والإرادة الإلهية، نقل بني إسرائيل من حالة الاستعباد المطلق، إلى حالة التمكين والاستقلال، والحضور الفاعل والمؤثر في الساحة العالمية، في صدارة القيادة والريادة، والقيام بمقتضى الاستخلاف الإلهي، في مقام “أئمة” يقودون المجتمعات البشرية، “وارثين” الأرض؛ حكمها والتمكين فيها.

في سياق التحليل التماثلي، يورد السيد القائد – يحفظه الله – نموذج مماثل لتمكين المستضعفين، اجتمعت فيه سنة الله تعالى وإرادته، لمستضعفين واعين، رفضوا الاستضعاف والتجأوا إلى الله، وعملوا على تغيير واقعهم، حين كان المسلمون في مكة في حالة استضعاف كبيرة، أتى الوعد الإلهي بتمكين المسلمين، في سورة الروم، في سياق صناعة المتغيرات العالمية، ونموذج آخر أيضا، أثناء حفر الخندق المواجهة الأحزاب، التي أرادت استئصال القلهة المؤمنة، في المدينة المنورة، وأثناء حفر الخندق، ظهرت البشارات بوصول الإسلام إلى مختلف بلدان العالم، الأمر الذي جعل المنافقين يقولون: “ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا”، وسخروا من تلك البشارات، متجاهلين سنن الله تعالى وإرادته.
إذا التمكين الإلهي، لا ياتي إلا في إطار تلك المسؤوليات المقدسة، والحركه في إطار رسالة الله تعالى وتعاليمه وهداه، لإقامه دين الله، وتحقيق مقتضى الاستخلاف.

النتيجة والعبرة:
“ونري هامان وفرعون وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون”.
– ظهور شخصية هامان، وظهور الجنود كرمز للقوة العسكرية، والكغيان والظلم والإجرام، حيث يتلاشى كل ذلك، وتسقط القوة العسكرية، التي تحمل كل رهانات القوة والاستمرار، أمام سنة الله وإرادته.

– إن المستكبرين مهما بلغت درجة طغيانهم واستبدادهم، يعيشون حالة قلق مستمر، خاصة أمام المستضعفين الواعين، ولذلك يعتمد المستكبرون، الظلم كوسيلة، والاضطهاد كسياسة، والجبروت كحائل وضمان، لمنع قيام المستضعفين والحيلولة دون تحركتهم وتحررهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى