من دماج إلى جنوب اليمن: السلفيون بين بداية العدوان ونهاياته المحتملة

بقلم /د نبيل عبدالله القدمي
تتسارع الأحداث في جنوب اليمن بصورة تثير كثيرًا من الأسئلة المشروعة، خصوصًا بعد إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حلّ نفسه بكافة هيئاته ومكاتبه العسكرية والمدنية، في خطوة وُصفت بأنها “تحول تاريخي”، لكنها في جوهرها تفتح باب الشك أكثر مما توفّر إجابات.
فبعد الإعلان مباشرة، خرج وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان بتغريدة قال فيها إن “قضية الجنوب دخلت مسارًا حقيقيًا ترعاه المملكة ويدعمه المجتمع الدولي عبر مؤتمر الرياض”، في إشارة واضحة إلى أن القرار لم يكن معزولًا عن الرعاية والتوجيه السعودي. كما أعقب ذلك تصريح للسفير السعودي محمد آل جابر وصف فيه قرار حلّ المجلس بـ“الشجاع”، معتبرًا أن قيادات الانتقالي قدّمت المصلحة العامة على المصالح الشخصية، وأن خيار الحوار برعاية المملكة سيحظى بدعم دولي.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا:
هل نحن أمام خلاف جنوبي، جنوبي؟ أم صراع بين مكونات الشعب اليمني؟ أم أن المشهد برمّته يُدار خارج إرادة اليمنيين؟
في الواقع، لم يكن اليمن يعيش خلافًا وجوديًا بين مكوّناته كما يُروّج اليوم، بل كان قد شهد توقيع اتفاق السلم والشراكة برعاية المبعوث الأممي جمال بن عمر عقب ثورة 21 سبتمبر المباركة، وهو اتفاق وطني جامع مثّل فرصة حقيقية لإنهاء الصراع وبناء شراكة سياسية شاملة. إلا أن هذا المسار لم يرق للنظام السعودي، الذي رأى فيه خروجًا لليمن من دائرة الوصاية، فسارع إلى إفشاله عبر تشكيل تحالف دولي شن عدوانًا شاملًا على اليمن، رغم أن اليمنيين كانوا قد اتفقوا بالفعل.
اليوم، تعود السعودية بوجه جديد وأدوات مختلفة، لكن الهدف يبدو واحدًا: إعادة تشكيل المشهد اليمني بما يخدم مصالحها الأمنية والسياسية. ويتجلى ذلك بوضوح في الدفع بعناصر سلفية، كثير منهم تخرّجوا من مراكز مثل دماج، إلى مواقع قيادية عسكرية وسياسية. وهنا يبرز سؤال بالغ الخطورة:
هل تأمل الرياض في هؤلاء الأكثر عداءً لأنصار الله، وتراهن على حقدهم العقائدي ليكونوا وقودًا لمعركة قادمة تُعدّ لها السعودية ومن خلفها الولايات المتحدة وكيان العدو الإسرائيلي؟
إن هذا الرهان، هو رهان خاسر. فالسعودية ومن يقف خلفها يجب أن يدركوا أن صنعاء لم تضعف، بل ازدادت قوة ووعيًا، وأن الشعب اليمني اليوم أكثر تماسكًا وإدراكًا لحجم المؤامرات التي تُحاك ضده. لقد أصبحت المخططات مكشوفة، والأدوات معروفة، ولم يعد بالإمكان تمرير السيناريوهات القديمة تحت عناوين جديدة.
وعلى من يخططون لتكرار النموذج السوري في اليمن أن يعلموا حقيقة واحدة لا تقبل الجدل:
اليمن ليست سوريا.
ففي اليمن سيجدون بأسًا يمنيًا متجذرًا، وإرادة صلبة، وقيادة تستمد قوتها من الوعي القرآني، ومن الثقة بالله، ومن التفاف شعبٍ جرّب الحرب والحصار ولم ينكسر.
إن السلام الحقيقي مع صنعاء لا يُصنع بالمناورات السياسية، ولا بالمؤتمرات الشكلية، ولا بمحاولات كسب الوقت لإعادة ترتيب المرتزقة. السلام الحقيقي يتطلب صدقًا وجدية وانخراطًا مباشرًا بلا مراوغة. أما إعادة تدوير الأدوات نفسها، فلن تجلب للسعودية إلا مزيدًا من الخسائر، ولن تغيّر من معادلة الصراع شيئًا.



