تقارير وحوارات

المناسبة الأقدس على مدار العام .. كيف يحيي اليمنيون ذكرى المولد النبوي؟

تقرير| وليد فاضل:

 

تكتسي المدن والمحافظات اليمنية في كل عام رداءً إيمانياً استثنائياً مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

 

 

وتتحول العاصمة صنعاء وبقية المحافظات إلى لوحة فنية تجسد أعمق معاني التعظيم والمحبة لرسول الله محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وتعد هذه المناسبة محطة روحية وثقافية واجتماعية تتجدد فيها أواصر الانتماء للإسلام، وتتجلى خلالها هوية اليمنيين الإيمانية التي أرسى دعائمها النبي الكريم عندما قال: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”.

ويبدأ هذا الاحتفاء قبل أسابيع طويلة من حلول الثاني عشر من ربيع الأول، حيث تدب الحركة في أزقة صنعاء القديمة، وتتحرك المبادرات الشعبية والرسمية لتزين الشوارع والمباني باللون الأخضر والمصابيح المضيئة، لتعلن عن بزوغ موسم من الفرح الروحي والتلاحم الاجتماعي الذي ينفرد به اليمن عن بقية بلدان العالم الإسلام، فالمشهد في صنعاء وعموم المحافظات يخطف الأبصار منذ لحظات التجهيز الأولى، إذ تتحول الجبال والقمم الشاهقة التي تطوق المدن إلى شعل خضراء بفضل الإضاءات الحديثة والزينات المبتكرة، وتتزين المآذن والمساجد التاريخية، وتتوشح الهيئات والمؤسسات وحتى منازل المواطنين البسطاء بالأقمشة الخضراء والأفاريز الضوئية، وكأن الأرض تحتفل ببزوغ نور الهداية من جديد.

ولا يقتصر هذا التحضير على الجوانب الفنية والإبداعية، وإنما يرافقه نشاط مجتمعي وإعلامي وديني مكثف؛ فتقام الندوات والمحاضرات والأمسيات الثقافية في المجالس والمدارس والجامعات والمساجد، وتستعرض الأناشيد والتواشيح اليمانية الأصيلة السيرة النبوية العطرة، ومواقف صاحب الذكرى في إخراج البشرية من ظلمات الجهل إلى نور العدل والحرية. وتصبح هذه الأمسيات مساحة لتأكيد القيم الأخلاقية والإنسانية، والتذكير بأهمية التكافل والترابط والتراحم بين أبناء المجتمع في مواجهة كافة الظروف والتحديات.

ومع اقتراب يوم الثاني عشر من ربيع الأول، تتصاعد وتيرة الاستعدادات للفعالية الكبرى، حيث تجري تجهيزات الميادين والساحات الفسيحة التي تتسع للملايين من المشاركين، و تعمل اللجان التنظيمية والأمنية والطبية بانسجام وتنسيق عاليين لتأمين وصول الحشود وتوفير الخدمات كافة.

وفي صباح اليوم الموعود، تتدفق الملايين من مختلف المديريات والقرى والأرياف نحو الساحات المحددة في صنعاء و بقية المحافظات، كالحديدة، وذمار، وإب، وصعدة، وحجة، وعمران، والبيضاء، والمحويت، وريمة، وغيرها، حيث تتدافع الوفود في أرتال بشرية بشوق ومحبة، حاملة الأعلام الخضراء والبيضاء، واللافتات التي تحمل شعارات المحبة والسلام والولاء لرسول الله. ويُظهر هذا الاحتشاد الجماهيري صورة فريدة من صور التلاحم والتكاتف، حيث يذوب الفارق بين الصغير والكبير، والفقير والغني، والمسؤول والمواطن البسيط، في ملحمة بشرية لا غاية لها إلا إظهار البهجة والفخر بالانتماء لرسول الرحمة.

وتتحول الساحات في ذروة الفعالية إلى بحار من البشر تنبض بقلب واحد وتردد بصوت واحد أزكى الصلاة وأتم التسليم على النبي وآله، كما تتخلل المهرجانات الاحتفالية كلمات رسمية وشعبية، وقصائد شعرية نادرة تنبع من وجدان الشعراء الشعبيين والفصحاء، وتسرد مكارم الأخلاق النبوية وتستحضر الشجاعة والثبات والصبر على المبادئ.

كما تؤدى الرقصات الشعبية والبرع اليماني الأصيل على وقع الأناشيد الحماسية والروحية التي تمتزج فيها أصالة التراث اليمني بعمق العقيدة الإسلامية.

ويرسل هذا الصخب الإيماني والابتهاج الجماعي رسالة للعالم أجمع مفادها أن أهل اليمن، الذين كانوا أول من نصروا النبي وآووه، ما زالوا على عهدهم الأوليّ، يتمسكون بسيرته العطرة ويسيرون على نهجه القيم في التآخي والشموخ والمقاومة ضد الظلم.

ولا يقف الاحتفاء بالذكرى النبوية عند حدود الشكل والمظهر أو التجمعات الجماهيرية، وإنما يتجاوز ذلك إلى جوهر التطبيق العملي لسيرة النبي الكريم، والذي يتمثل في العطاء والتكافل الاجتماعي.

وهنا تنشط خلال هذه الأيام المشاريع الخيرية والمبادرات الإنسانية على نطاق واسع في كافة المحافظات؛ و تُوزع السلال الغذائية واللحوم على الفقراء والمحتاجين، وتُقام مآدب الإطعام في الأحياء والقرى، وتُزار المستشفيات ودور الأيتام، وتُنفذ حملات العفو والإفراج عن المعسرين والمحتجزين.

و يُدرك المجتمع اليمني أن إحياء ذكرى النبي لا يكتمل إلا بإحياء قيمه في التراحم والتعاطف، والوقوف إلى جانب الضعفاء والمساكين، مما يجعل المناسبة عيداً إنسانياً شاملاً يلامس حياة كل فرد ويعزز النسيج الاجتماعي في أوقات الشدة.

وعقب انتهاء الفعاليات المركزية وغروب شمس يوم المولد، لا تنتهي الحكاية، فأمسيات الفرح العفوي تتواصل في الأحياء والحارات، و تجتمع العائلات والجيران في صنعاء القديمة والمدن اليمنية الأخرى في مجالس المولد الخاصة، حيث يتناولون القهوة اليمنية والحلويات المحلية، ويرددون الموشحات النبوية والتواشيح الروحانية التي ورثوها كابراً عن كابر، و تتلألأ أضواء المدينة الخضراء تحت سماء الليل، ليظل هذا الانطباع الروحي محفوراً في ذاكرة الأجيال الصاعدة، يغرس في نفوس الأطفال والشباب حب النبي والاعتزاز بالتاريخ والقيّم.

وهكذا، يظل الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف في صنعاء والمحافظات الحرة ظاهرة فريدة تجسد الهوية اليمنية الأصيلة، وتؤكد أن محبة الرسول الأعظم ستبقى الشعلة التي تنير درب اليمنيين وتمنحهم الصمود والأمل والوحدة في وجه كافة التحديات.

 

نقلا عن موقع المسيرة نت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى