كيف يجمع المولد النبوي الشريف المسلمين رغم اختلاف البلدان والمذاهب؟

وتتباين مظاهر الاحتفال والفعاليات والبرامج الخاصة بهذه المناسبة من بلد إلى آخر، فيما تتصدر اليمن، بلد الإيمان والحكمة، المشهد العالمي في إحياء المولد النبوي الشريف، من خلال برامج وفعاليات متنوعة، ومبادرات خيرية، إلى جانب انتشار الزينات الضوئية والقماشية في المدن والأرياف اليمنية منذ مطلع ربيع الأول وحتى نهايته، لتستمر مظاهر الاحتفاء على مدى شهر كامل.
ولا تقتصر مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي على اليمن، إذ تحظى المناسبة باهتمام واسع في عدد من الدول العربية والإسلامية، وفي مقدمتها السودان ومصر وتونس والجزائر وغيرها، حيث تتنوع الفعاليات المرتبطة بإحياء ذكرى مولد الرسول الكريم.
وتشير مصادر إعلامية إلى أن نحو 40 دولة حول العالم تحيي ذكرى المولد النبوي الشريف، بما يعكس اتساع نطاق الاحتفاء بهذه المناسبة ومكانتها لدى المسلمين في مختلف البلدان.
في السياق، يؤكد الناشط السياسي التونسي زهير مخلوف احتفاء التونسيين بالمولد النبوي الشريف، مؤكدًا أن المناسبة تمثل تعبيرًا عن الاعتزاز بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي عمّ من خلاله دين الإسلام مختلف أرجاء الأرض، باعتباره دينًا عالميًا وليس دينًا خاصًا بقوم أو جماعة محددة.
ويشير مخلوف إلى أن التونسيين يحتفلون بالمولد النبوي الشريف بوصفه موروثًا ثقافيًا وأصلًا من الأصول الدينية، موضحًا أن الإيمان بالرسول لا يقتصر على الأقوال والشهادة باللسان، وإنما يتمثل كذلك في استحضار سيرته وأخلاقه وإحياء المناسبات المرتبطة به.
ويبين في حديثه لقناة المسيرة أن الاحتفال بالمولد في تونس يستمر عدة أيام، وتتضح مظاهره بصورة خاصة في الثاني عشر من ربيع الأول، فيما تسبق المناسبة دروس واحتفالات وذكر صوفي في المساجد، إلى جانب تلاوة القرآن ورفع الأذان وإحياء مظاهر الذكر، بما يثبت حضور المناسبة بصورة جماهيرية واضحة في مختلف المناطق.
ويلفت إلى المكانة الخاصة لمدينة القيروان في هذه المناسبة، باعتبارها من المدن المرتبطة بتاريخ دخول الإسلام إلى شمال أفريقيا، موضحًا أن استقرار الإسلام في الأراضي التونسية ارتبط تاريخيًا بقدوم عقبة بن نافع، رغم ما شهدته المنطقة من ارتدادات بعد دخول الإسلام إليها.
ووفقًا لمخلوف، فإن تونس حافظت على هذا النهج القائم على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واستذكاره، سواء من خلال المشاعر والشعائر أو الشعر والإنشاد والأغاني، مشيرًا إلى أن المساجد في مختلف المناطق تعمر بذكر الرسول خلال أيام المولد النبوي الشريف.
ويشدد على أن تونس لم تتبنَّ النظرة الوهابية التي ترفض الاحتفال بالمولد وتعده بدعة، مؤكدًا أن التونسيين يرون في المناسبة فرصة لاستذكار فضائل الرسول وأخلاقه ومكانته.
ويفيد أن مدينة القيروان تستقبل زوارًا من مختلف المدن التونسية للمشاركة في إحياء المولد النبوي، إلى جانب تنظيم مليونية الصلاة على النبي في المساجد التاريخية.
ويوضح أن فكرة المليونية جاءت بهدف توسيع نطاق الاحتفاء بالمولد، بحيث يستطيع الناس المشاركة في استذكار الرسول صلى الله عليه وسلم في وقت محدد، حتى وإن لم يتمكنوا من الذهاب إلى القيروان، وذلك من منازلهم وأماكن إقامتهم ومختلف المدن التونسية.
ويضيف: “إلى أن الفكرة تفاعل معها عدد كبير من الشباب والمتدينين عبر المواقع الإلكترونية، حيث يكتب المشاركون في صفحاتهم عن المولد النبوي الشريف ويستذكرونه”، مشيرًا إلى أن الاحتفاء لا يقتصر على الصفحات ذات التوجه الإسلامي، بل يمتد حتى إلى الصفحات العلمانية وغير الملتزمة بالأفكار الإسلامية، التي تنخرط بدورها في هذه الشعيرة بوصفها جزءًا من الموروث الثقافي.
وخلص إلى أن مظاهر الاحتفاء بالمولد تتطور من عام إلى آخر، وأن الشعب التونسي ملتزم بصورة عامة بمحبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم واستذكار سيرته، لافتًا إلى وجود مدارس صوفية متعددة في القرى والمدن، يقدّر عدد المنتمين إليها بأكثر من مئتي ألف، وتعمل على إحياء ذكر الرسول عليه السلام خلال أيام المولد النبوي الشريف.
المولد النبوي.. مناسبة بلا حدود
يتجاوز الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف حدود الجغرافيا والانتماءات المذهبية، ليحضر بوصفه مناسبة دينية تجمع المسلمين على محبة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستذكار سيرته وقيمه.
وتتجلى أهمية المناسبة في اتساع نطاق إحيائها، إذ لا تقتصر على المجتمعات العربية والإسلامية، وإنما تمتد إلى الجاليات المسلمة المقيمة في الدول الأوروبية والغربية، التي تحرص بدورها على إحياء ذكرى المولد النبوي، بما يعكس حضور المناسبة في الوجدان الإسلامي وارتباط المسلمين بسيرة نبيهم، أينما كانوا.
وحول هذا الشأن، تؤكد الناشطة النقية الحمادي، من أبناء الجالية الإسلامية في إسبانيا، أن المولد النبوي الشريف يمثل مناسبة جميلة وفرصة لاستحضار سيرة خير الخلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتذكير بأخلاقه، وفي مقدمتها الرحمة والتسامح ومساعدة الآخرين.
وتوضح الحمادي في حديثها لقناة المسيرة أن المناسبة تشكل كذلك فرصة لاجتماع العائلات وتعليم الأطفال القيم والتقاليد الإسلامية بطريقة جميلة، مشيرة إلى أن مظاهر الاحتفال تختلف من عائلة إلى أخرى، ومن قرية إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى، بحسب طبيعة كل منطقة ووجود المراكز والمساجد الإسلامية فيها.
وتبين أن المدن الكبيرة التي تضم مراكز إسلامية تشهد أنشطة متنوعة للأطفال، تبدأ عادة بالتوجه إلى المساجد برفقة الآباء، حاملين معهم الحلويات التقليدية والأطباق التي تعدها الأمهات في المنازل، فيما يقدم إمام المسجد كلمات تتناول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه.
أما في القرى الصغيرة التي تضم مساجد محدودة المساحة، فتختلف مظاهر الاحتفال، حيث يجتمع الأطفال مع أصدقائهم وأبناء القرية، ويقضون يوم المناسبة مع عائلاتهم. وتشير الحمادي إلى أن الأطفال قد لا يذهبون إلى المدرسة إذا صادف المولد يومًا دراسيًا، باعتبار المناسبة يوم عيد، مؤكدة أن السلطات الإسبانية تسمح لهم بذلك ولا تضع عوائق أمام غيابهم في هذه المناسبة.
وتلفت إلى أن الاحتفال يتجاوز المساجد والمراكز الإسلامية، ليمتد إلى المنازل، حيث تحرص العائلات على إحياء تقاليدها الخاصة بحسب عادات كل أسرة، وتظهر أجواء دينية واجتماعية متنوعة، تبدأ بإعداد الحلويات والأطباق التقليدية، وتحضر كل جالية جزءًا من حلوياتها الخاصة للمشاركة في المناسبة.
وتشير إلى أن الاحتفال يشهد كذلك مشاركة غير المسلمين، بمن فيهم الإسبان، في تبادل الأطعمة ومشاركة المسلمين أجواء المناسبة، إلى جانب تنظيم ألعاب وأنشطة للأطفال من قبل الفعاليات والجمعيات الإسلامية.
وتؤكد أن المولد النبوي الشريف يمثل، بالنسبة للأطفال الذين يولدون وينشؤون في إسبانيا، فرصة مهمة للتعرف على دينهم وثقافتهم الإسلامية والارتباط بسيرة الرسول الكريم، موضحة أن هذه المناسبات تسهم في تعليمهم القيم الإسلامية وتعزيز صلتهم بهويتهم الدينية والثقافية.
نقلا عن موقع المسيرة نت


