تقارير وحوارات

من موقع القيادة إلى الاستباحة .. هكذا سقطت الأمة العربية والإسلامية؟

تقرير/

 

لم تصل الأمة العربية والإسلامية إلى هذا المستوى من الانكسار صدفة، ولم تُدفع إلى قاع التبعية بفعل تفوق الآخرين وحده، كما لم تُسلب مكانتها لأن مواردها شحيحة أو جغرافيتها هامشية، ما تعيشه الأمة اليوم، من خضوع سياسي، وارتهان اقتصادي، وضعف أمني، وهيمنة خارجية غير مسبوقة، كشف عنه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، بأنه نتيجة مباشرة لتقصير عميق أمام الله، تقصير تجاوز حدّ الإهمال إلى مستوى التفريط بالمسؤولية الرسالية التي حُمِّلتها هذه الأمة دون غيرها، هذا التقرير يناقش الفكرة بوصفها تشخيص فكري يحاول تفسير كيف انتهت أمة القرآن، وأمة الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله وسلم، وأمة الموقع الاستراتيجي والثروة الطائلة، إلى أن تكون واقعة تحت هيمنة من وصفهم الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بأنهم من ضربت عليهم الذلة والمسكنة.

 

 

مخالفة السنن الإلهية 
ينطلق الشهيد القائد في قراءته من سنة إلهية قرآنية مفادها أن الله لا يمنح العزة على أساس الانتماء فقط، بل يربطها بمدى تمسك الأمة بالتكليف الإلهي، فبعثة رسول عربي، وإنزال القرآن باللغة العربية، وتحويل أمة كانت على هامش التاريخ إلى مركز قيادته، لم تكن امتيازًا مجانيًا، بل تحميلًا لمسؤولية غير مسبوقة، وعندما يذكّر الشهيد القائد بأن الله منّ على العرب بهذه النعمة العظمى، فهو في الحقيقة يعيد وضع الأمة أمام سؤال جوهري، ماذا فعلت بهذه الهداية والمنّة؟ هل حملت الرسالة كما ينبغي؟ ووفق هذا الاستدلال، فإن السقوط لا يصبح لغزًا، بل نتيجة طبيعية لانقلاب المنهج من واقع حي إلى شعارات، ومن التزام شامل إلى تدين مجتزأ لا يملك القدرة على حماية الأمة أو توجيهها.

 

 المفارقة التي لا تُحتمل .. من ضُربت عليهم الذلة في موقع السيطرة
عند هذه المفارقة الصادمة، يبلغ خطاب الشهيد القائد ذروته، كيف يكون من حكى الله عنهم ’’ اليهود والنصارى’’  أنهم باؤوا بغضب من الله، وضُربت عليهم الذلة والمسكنة، في موقع السيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية، بينما أمة الإسلام، أمة القرآن، في موقع التلقي والخضوع؟، هذا السؤال لا يُطرح للمقارنة فقط، بل للكشف عن اختلال ميزان السلوك، فالذلة والعزة في منطق القرآن الكريم ليست صفات أبدية لأقوام، بل حالات ترتبط بالاستقامة أو الانحراف،  وحين تنقلب المواقع، فإن السبب لا يكون في تبدّل النصوص، بل في تبدّل المواقف العملية تجاهها، ومن هنا، يصل الشهيد القائد إلى خلاصة قاسية مفادها أن تقصير الأمة العربية والإسلامية أمام الله أشد من تقصير غيرها، لأن الحجة عليها أعظم، والنعمة التي أُعطيت لها لم تُعطَ لسواها.

 

 التاريخ شاهدًا .. من القوة إلى التلاشي
لا يقرأ هذا الطرح الواقع بمعزل عن التاريخ، فالتجربة الإسلامية في عهد النبي صلوات الله عليه وآله، تقدم شاهدًا واضحًا على أن الأمة حين التزمت بمنهجها، وهي في أقسى حالات الضعف المادي، استطاعت أن تهزم قوى عظمى وتؤسس لحضور عالمي، لم يكن السلاح متفوقًا، ولا العدد كبيرًا، ولا الموارد وفيرة، لكن كانت هناك هوية واضحة، وعدالة حاضرة، ومسؤولية تجاه الله تحكم القرار، وعلى العكس، فإن مراحل الانحدار بدأت عندما تحول الدين إلى أداة شرعنة لا إلى معيار محاسبة، وبدأت الأمة تستبدل الاعتماد على الله بالارتهان للقوة والمال والتحالفات الخارجية مع العدو،  هنا لم تُهزم الأمة فجأة، بل بدأت تفقد وزنها تدريجيًا في ميزان السنن.

 

 الواقع المعاصر ..  النتيجة الأكثر قسوة
ما يعيشه العالم العربي والإسلامي اليوم هو الدليل العملي على صحة تشخيص الشهيد القائد،  دول تملك الثروة ولا تملك القرار، وجيوش ضخمة بلا سيادة حقيقية، وأنظمة سياسية لا تتحرك إلا ضمن هوامش مرسومة من العدو، وثقافة عامة تعاني فقدان الثقة بالله، كل ذلك يحدث في جغرافيا هي الأهم عالميًا، وفي أرض تختزن أعظم الثروات، وبين شعوب ترفع شعار الإسلام، هذا التناقض الحاد لا يمكن تفسيره إلا باعتباره نتيجة لفقدان الأهلية الأخلاقية والرسالية للقيادة.

 

 حين تتحول النعمة إلى أداة إدانة
حتى الموقع الجغرافي والثروة النفطية، اللذان يُفترض أن يكونا مصدر قوة، يتحولان في هذا السياق إلى شاهد إضافي على عمق الأزمة، فالأمة التي لا تحسن توظيف نعمها وفق منهج الله ، تتحول هذه النعم إلى وسائل ضغط عليها، لا إلى أدوات تحرر، وهنا تتضح الفكرة الجوهرية التي يؤكد عليها الشهيد القائد، أن المشكلة ليست فيما تملكه الأمة، بل فيما أصبحت عليه أمام الله.

 الحقيقة التي لا يريد الكثيرون سماعها
يرفض الشهيد القائد وفق هذا الطرح كل محاولات الهروب من المواجهة مع الذات، فلا المؤامرة وحدها تفسر السقوط، ولا تخلف الأدوات، ولا تفوق الآخر العلمي فقط،  ما حدث وما يحدث هو نتيجة منطقية لمسار طويل من التقصير، والانفصال عن المنهج القرآني والايمان بالله وعن المسؤولية في حمل الرسالة، والتنازل التدريجي عن شروط العزة.
وبحسب تأكيد الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، فإن الأمة أمام خيارين لا ثالث لهما، إما عودة جادة إلى الله والقرآن كمنهج حياة وموقف ومسؤولية شاملة، وإما استمرار طبيعي في موقع التبعية والارتهان للخضوع والهيمنة والاستباحة، مهما تغيّرت الشعارات وتبدلت الوجوه.

 

 

 

نقلا عن موقع يمانيون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى