المقالات

بين يدي القصص القرآني

 

بقلم/ إبراهيم محمد الهمداني

احتلت القصة والقصص والحكايات مكانة كبيرة وهامة، في وجدان وحياة المجتمعات البشرية، نظرا لما تحمله من مضامين تاريخية واجتماعية وثقافية وفكرية، تعبر عن هوية وانتماء وإرث تلك المجتمعات، التي حرصت على تخليدها في وجدان أبنائها، وتوثيق أحداثها وشخصياتها وتصوراتها، في مبانٍ حكائية قصصية، عبر تقنية السرد الشفاهي المتوارث، حتى أن تلك القصص والمرويات، بلغت مرتبة الأسطورة والمقدس، بسبب العنصرية والتباهي والتعصب للذات، وسعي كل مجتمع أو شعب، لتكريس أفضليته وتميزه وتفوقه المطلق، وقد ظهرت السير الشعبية – الفردية والجمعية – كنوع من ذلك التعالي المطلق، الذي رافق المجتمعات في أسمارهم وحلهم وترحالهم وكل مناسباتهم، لتعبر عن عمق الارتباط والاتصال بين الماضي والحاضر، بواسطة الإنسان كونه الحاكي ومادة الحكي في نفس الوقت، غير أن بقاء الحكاية، في إطارها التقليدي ونموذجها البسيط ذاك، أفقدها العمق الوظيفي التحليلي، ولم يخرج بها عن الوظائف التقليدية، المتراوحة بين التحفيز والتثقيف والتربية، والتعصب للذات في كل حال.
ومع تقدم الزمن تطورت وسائل الحكي، وتنوعت وسائل التوثيق من الشفاهي إلى الكتابي؛ بشقيه السردي البسيط، والسردي المتقدم في البني القصصية والروائية، وهو ما أتاح للمجتمعات فرصة إعادة تقديم موروثها الشفاهي القصصي، من خلال مشاهد تمثيلية بسيطة، جرى تطويرها وصولا إلى صناعة الدراما والسينما وغيرها.
ذلك ما أشار إليه سماحة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي – يحفظه الله – في محاضرته الرمضانية الثانية، عند حديثه عن أهمية القصص في حياة البشر، وكيف تعاملوا معها، وقاموا بإعادة تجسيدها، في مشاهد تمثيلية حية، نظرا لأهمية الأحداث والشخصيات التاريخية، في حياة الشعوب، ولذلك هم يعيدون إنتاجها، لكن تلك المرويات القصصية التاريخية – كما يقول السيد القائد يحفظه الله – تعرضت للكثير من التشويه والكذب والمبالغة والأسطرة، وتدخل الخيال المشحون بالحماس العاطفي والتعصب، في إعادة صياغتها وتجميلها، وصولا إلى بلوغها مرتبة الأساطير والخرافات، التي لا يقبلها عقل ولا يرتضيها منطق.
وفي هذا السياق، يقدم السيد القائد يحفظه الله، القصص القرآني من منظور فلسفي جديد ومغاير للسائد، في نظريات الأدب عامة، والنقد السردي الروائي خاصة؛ فالأدب بمجموعه في التصور السائد – المستمد من الغرب – مصدره الخيال، وماهيته عبارة عن تجارب إنسانية، ووظيفته تتراوح بين المنفعة والمتعة، ولم تخرج عن ذلك، رغم تبنيها مقولة الفن للفن، وموت المؤلف، وغيرها من المقولات الفلسفية، التي أسست لنظريات ومناهج نقدية وحياتية عامة.
بينما يضع السيد القائد – يحفظه الله – القصص القرآني، في سياق فلسفي نقدي آخر، نظرا لما تميز به القصص القرآني، من حيث المصدر والماهية والوظيفة:
1- مصدره الله سبحانه وتعالى، الذي هو الخالق والمدبر لشؤون الكون وحياة البشر، العالم بمكنون صدروهم ونفسياتهم، بخلاف القصص الإنساني، الذي مصدره المخيال البشري، والفارق الهائل بين منتج المصدرين.
2- ماهيته تعكسها دقته ومصداقيته، في نقل وتصوير طبيعة الشخصيات، سواء النماذج الإيمانية الراقية، أو نماذج الكفر والطغيان، وكل ما يحيط بها، ويسجل حتى كلامهم ونفسياتهم.
3- وهو في ماهيته – أيضا – يقدم أعلى درجات الموثوقية، في النقل القصصي للأحداث وملابساتها، وهو ما يدحض منظور من تعامل مع القصص القرآني، بوصفه أرقى النتاجات الأدبية، بعيدا عن قداسته وموثوقيته، ويعيد الاعتبار إليه من ناحيتين؛
الأولى: مفارقته لمقتضيات وضع الخيال والأساطير والمبالغات، وبعده عن الكذب والخرافات.
الثانية: بنيته المحكمة، ومحمولاته الدلالية الهادفة.
4- وهو في وظيفته؛ يقدمه الله سبحانه وتعالى، في إطار الهداية، التي يحتاجها البشر، بأسلوب غاية في الإقناع والتأثير.
5- وهو في وظيفته – أيضا – يحمل غايات واسعة ومتعددة، وأهداف شاملة، عبر عنها الله سبحانه وتعالى بقوله: “عبرة لأولي الأبصار”.
من خلال هذا الطرح الفلسفي المتقدم، يمكن القول إن السيد القائد، قد وضع الأسس النظرية والتطبيقية، لأول منهج نقد عربي إسلامي خالص، يعكس الهوية الإيمانية، ويعبر عن صدق الانتماء الإسلامي، ويعيد قراءة القصص القرآني، في مستوياته التحليلية المختلفة، وفقا لخصوصية مصدره وماهيته ووظيفته، بما يحقق الغايات والأهداف الكبرى، ويجسد المدلولات الكامنة والعميقة، وقد قدم السيد القائد – يحفظه الله – قصة نبي الله موسى عليه السلام، كنموذج قصصي سردي قابل لتطبيق المنهج النقدي، ليجمع بين النظرية والتطبيق، نظرا لما لهذه القصة من أهمية، فهي كما يقول السيد القائد:

1- غنية بالدروس والعبر المهمة والكبيرة، والحقائق والسنن الإلهية الثابتة.
2- تتصل بواقع حياتنا، من حيث طبيعة الصراع مع الأعداء، الذين يمثلون امتدادا لأسلافهم – بني إسرائيل – الذين كانوا ركيزة هذه القصة، ومحور الصراع الوجودي.
3- وهي من منظور الشهيد القائد، ضرورية لكل مؤمن، ضرورية لكل من يحمل اسم الإيمان، ليبني عليها موقفه وتوجهاته.
وفي سياق التحليل المنهجي للقصة، بدأ السيد القائد بتناول مفتتح القصة المذكورة، من خلال أسلوب التحليل التناظري، الذي ناقش قضية “العلو”، بين فرعون في ذلك الزمن، وبني إسرائيل في علوهم الأخير، حيث فاقوا علو فرعون – رغم طغيانه – بمراحل كبيرة جدا، مبينا حقيقة وصف الله تعالى لعلوهم بالكبير، بينما علو فرعون جاء مجردا من الوصف، رغم أنه قال: “أنا ربكم الأعلى”، وما علمت لكم من إله غيري”، و”ما أريكم إلا ما أرى”، ورغم أنه استضعف بني إسرائيل، “يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم”، ورغم كل ذلك، وصف فساد بني إسرائيل بأنه أكبر، في قوله تعالى: “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الكتاب مرتين ولتعلن علوا كبيرا”، بما يحمله من تأكيدات لغوية، ومحمولات دلالية أسلوبية وبلاغية، وشواهد من واقع حياتنا، تجلت على أكثر من مستوى، في الحرب على غزة ومستجداتها الراهنة.
وللقصة والتحليل بقية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى