صفعة السيادة وتهاوي هيبة الهيمنة الأمريكية

بقلم/أحمد الضبيبي
في قلب العاصفة الدولية المتصاعدة، تتكشفُ المراوغات بالمفاوضات التي تمارسها أمريكا ضد إيران وطهران؛ لكن القضية صراعٌ مفتوحٌ على مستقبل التوازنات الدولية، وهيبة الدول، وحق الأمم في امتلاك قرارها السيادي بعيدًا عن قبضة الهيمنة الأمريكية.
فأمريكا التي تحاول تسويق نفسها بوجهٍ دبلوماسيٍّ ناعم، تخفي خلف خطابها السياسي مشروعًا استراتيجيًّا متكاملًا يهدف إلى تجريد إيران من عناصر قوتها العلمية والتقنية، وتحويل برنامجها النووي إلى ملفٍّ خاضعٍ بالكامل للوصاية الغربية، بما يُبقي طهران محاصرةً داخل حدود الإرادَة الأمريكية، عاجزةً عن امتلاك أدوات الردع أَو مقومات الاستقلال الحقيقي.
وفي هذا السياق، كشفت معطياتٌ متداولة عن مطالب أمريكية بالحصول على مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب بنسبة 60 %، مع رفضٍ حتى لفكرة نقله إلى روسيا، والدفع باتّجاه وضعه لدى دولة ثالثة، في خطوة تعكس حجم الشكوك الغربية، ومحاولة فرض رقابة غير مباشرة تبقي مفاتيح القرار الاستراتيجي الإيراني رهينةً بيد القوى الكبرى.
غير أن طهران، التي خَبِرَت طويلًا تقلُّبات السياسة الدولية وألاعيب المفاوضات الغربية، رفضت بصورةٍ قاطعةٍ إخراجَ اليورانيوم من أراضيها، مؤكّـدةً استعدادها لترقيقه تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن نسبٍ محدّدة، بما يحفظ حقَّها السيادي ويمنع تحويل الملف النووي إلى أدَاة ابتزاز دائمة تستخدم كلما أرادت واشنطن فرض المزيد من الإملاءات والشروط المهينة.
ولم تتوقف المطالب الأمريكية المتغطرسة عند هذا الحد، فقد تجاوزته إلى محاولة فرض وقفٍ طويل الأمد لتخصيب اليورانيوم يمتد لعشرين عامًا، في مسعى واضح لحرمان إيران من حقها العلمي والتقني والاستراتيجي لعقودٍ كاملة، وكأن المطلوب منها أن تبقى دولةً مكبّلة الإرادَة، منزوعـة القدرة، في وقتٍ يظل فيه كِيان الاحتلال الإسرائيلي محتفظًا بترسانةٍ نووية ضخمة خارج أي مساءلة أَو رقابة دولية، تحت مظلة حماية أمريكية وصمتٍ غربي يثير كَثيرًا من علامات الاستفهام والريبة.
ويكشف هذا المشهد بوضوح العقليةَ الاستعلائية التي تحكُمُ القرار الأمريكي؛ إذ لم تبد واشنطن أيَّ استعداد لمناقشة تعويض إيران عن الخسائر الهائلة التي تسببت بها العقوبات والحصار الاقتصادي والحروب غير المباشرة؛ ما يؤكّـد أن الإدارة الأمريكية لا تزال تتعامَلُ بمنطق الإخضاع وفرض القوة، لا بمنطق العدالة أَو الشراكة السياسية المتكافئة.
في المقابل، تدرك إيران أن أيَّ تنازل استراتيجي اليوم لن يقابَلَ بالاحترام أَو التهدئة، بل سيفسر بوصفه مؤشرًا على الضعف، وسيغري خصومها بمزيدٍ من الضغوط مستقبلًا، ولهذا تبدو أكثر تمسكًا بخطوطها الحمراء، وأكثر استعدادا لتحمل أعباء الحصار والتصعيد، انطلاقًا من قناعةٍ راسخة بأن التفريط بعناصر القوة لا يقود إلا إلى الانكسار وفقدان السيادة.
إن ما يجري اليوم يتجاوزُ حدودَ المِلف النووي ذاته، ليصلَ إلى جوهر المعادلة الدولية القائمة، فواشنطن تحاول تكريس قانونٍ عالمي جديد مفاده، امتلكوا فقط ما نسمح لكم بامتلاكه، فيما تحتكر أدوات الردع والقوة الحقيقية لصالح الولايات المتحدة وحلفائها، وتُمنع بقية شعوب العالم من امتلاك أسباب الاستقلال والسيادة.
وفي هذا السياق، بدأ خطاب “الخطر النووي الإيراني” يفقد الكثير من زخمه أمام تنامي وعيٍ عالمي متزايد بحقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية، التي ظلت لعقود بمنأى عن أي رقابة أَو مساءلة قانونية، رغم امتلاكها واحدةً من أخطر القدرات النووية في الشرق الأوسط، وسط حماية أمريكية مباشرة وصمتٍ دولي يقترب من حدود التواطؤ الكامل.
فأي منطق يسمح لكيان احتلالي يمتلك مئات الرؤوس النووية بأن يقدّم نفسه؛ باعتبَاره ضحية مهدّدة، بينما تفرض العقوبات والحصار على دولٍ تسعى فقط لامتلاك التكنولوجيا النووية السلمية تحت إشراف المؤسّسات الدولية، فالعالم لا يخشى القنبلة بقدر ما يخشى من يحملها بلا رادعٍ أخلاقي أَو قانوني، في ظل حكوماتٍ متطرفة تتغذى على الحروب والدمار والتوسع، وتتعامل مع الدماء بوصفها وقودًا دائمًا لبقائها السياسي والعسكري.
ومن هنا، تبدو المنطقة بأسرها رهينةَ اختلال خطير في موازين العدالة الدولية؛ إذ لا يمكن الحديث عن سلامٍ دائم أَو استقرار حقيقي طالما بقي الملف النووي الإسرائيلي خارج أي رقابة أَو محاسبة، وطالما استمرت السياسات الغربية في منح الاحتلال ما تحرّمه على بقية شعوب الشرق الأوسط.
وفي موازاة هذا المشهد المتفجر، تبدو الولايات المتحدة نفسها غارقة في شبكة أزماتٍ دولية متشابكة، فيما يظهر الرئيس الأمريكي ترامب محاصرًا بتحديات تتسع من كُـلّ اتّجاه، وسط تراجع واضح في قدرة واشنطن على فرض شروطها القديمة بالقوة ذاتها التي حكمت بها العالم لعقود.
فالملف الإيراني اصطدم بموقف إيراني صُلب وصفته واشنطن بأنه (غير مقبول) بعدما أصرت طهران على وقف العمليات العسكرية بالكامل، ورفع العقوبات، والحصول على تعويضات عن الخسائر، في رسالة تؤكّـد أن إيران تتفاوض اليوم من موقع اقتدار وثبات، لا من موقع خضوع أَو انكسار.
وفي الشرق تتصاعد التحدياتُ مع استمرار الصين في رفض الالتزام بالعقوبات الأمريكية الأحادية، ومواصلتها استيراد النفط الإيراني، بما يعني عمليًّا تقويض واحدةٍ من أهم أدوات الضغط الاقتصادي التي راهنت عليها واشنطن لخنق طهران وإجبارها على التراجع.
أما أُورُوبا، الحليف العجوز الأقرب للولايات المتحدة، فتعيش حالة قلقٍ وتململ غير مسبوقة، وسط تصاعد الخلافات السياسية والعسكرية بين ضفتي الأطلسي، وتزايد المؤشرات على اهتزاز الثقة بالقيادة الأمريكية للنظام العالمي، في ظل تحولات دولية متسارعة تعيد رسم خرائط النفوذ والقوة.
إن العالم يقف اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، تتهاوى فيها أوهام القطب الواحد، وتتصدع خلالها خرائط النفوذ القديمة تحت وقع صعود قوى دولية جديدة تفرض معادلات مختلفة سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا.
وفي قلب هذا التحول العاصف، تبدو واشنطن للمرة الأولى منذ عقود عاجزةً عن احتكار القرار العالمي، فيما يقف البيت الأبيض أمام حقل ملتهب من الأزمات المتشابكة، قد يجعل أي خطأٍ جديد شرارة لانفجار دولي واسع، تتجاوز ارتداداته حدود الجغرافيا والسياسة، لتدخل البشرية مرحلة شديدة الاضطراب، تتكسر فيها هيبة الإمبراطوريات القديمة المتغطرسة على صخرة التحولات الكبرى وصعود عالم متعدد الأقطاب.




